يُصْبِحُ حاج أحمد ود الزين مبكرًا كل يوم، كأنّ فطرة الأرض تناديه قبل أن تصحو الطيور من أعشاشها. يمسك بعكازه المصنوع من القنا، ويحمل في يده فأسًا وطورية، وفي الأخرى قارورة بها نشأ من الدُّخن، ثم يمضي إلى الحقل بخطاه الواثقة، كما لو أنه يسير إلى موعد مقدّس مع الرزق.
هو رجل تربّى على فطرة الإسلام، وتعلّم علوم القرآن والفقه في خلاوي "همشكوريب"، ثم تصوّف على يد الشيخ الجليل البرعي، فصقل قلبه بنور السكينة، وتهذبت روحه حتى غدت مأوى للحكمة والصدق. عاش حياته ببساطةٍ قلّ نظيرها، ودرّس مادة العلوم في المرحلة الابتدائية، ليزرع في تلاميذه حبّ المعرفة، قبل أن يتقاعد بهدوء، ويعود إلى حياته الأولى، حياة الأرض والتراب والمطر.
بلغ حاج أحمد السبعين من عمره، ولم يكن يومًا رجل ثراء أو صاحب سلطة دنيوية، لكنه أصبح أحد أعمدة منطقته ومرجعًا لقبيلته، تُشدّ إليه الرحال عند الأزمات الكبرى. لم يكن هذا التقدير نابعًا من مالٍ أو وجاهةٍ، بل من حصيلة عمرٍ طويلٍ من التجارب والخبرات، ومن وضوحه وإخلاصه، ومن شجاعته التي لا تعرف المساومة، ومن كلمته التي لا تنطلق إلا بعد ميزانٍ من العقل والرؤية.
حين يتكلم، يسود المجلس صمتٌ كأنّ الجميع يستمعون لصدى الحكمة ذاتها، وإن غاب، لا تغيب بصيرته، وتُرسل إليه الرسائل والوفود طلبًا للرأي والرشاد. لم يمتلك سيارة فارهة، ولا منزلًا فخمًا، لكنه ملك قلوب الناس برجاحة عقله وصفاء نواياه. تُصافحه مرة واحدة، فترى في ملامحه نور الجدود، وتشعر أنك تعرفه منذ أزمان، وكأنك عدت إلى بيتك بعد غياب طويل.
رجالٌ أمثال حاج أحمد لا تُقاس قيمتهم بالمظاهر، بل تُقاس بالأثر الذي يتركونه في الأرواح. إذا حضر، حضر الحسم، وإذا غاب، ظلّت سيرته تتردد في المجالس، كنبضٍ يُنعش ذاكرة المكان. وسيرته ليست مجرّد حديث عابر، بل نبراسٌ يهتدي به الناس في أحلك الظروف. وحدهم من مرّوا بتجارب قاسية، وعاشوا تعقيدات الحياة، يدركون قيمة رجل كحاج أحمد في لحظات اختناق الحلول.
القرية التي أنجبت حاج أحمد، لم تهده فقط للحقل، بل قدمته نموذجًا لقيادة المجتمع بالرأي والتجربة. وحقًا، فإن القرى التي تنجب رجالًا بهذه القامة، تساهم في بناء الأوطان وتطوير البلديات، لأنهم يعرفون كيف يزرعون الفكرة كما يزرعون الذرة، وكيف يحصدون الثمار كما يحصدون الحكمة.
لكن الحقيقة المُرّة أننا فقدنا أمثال هؤلاء في كثير من مجتمعاتنا. تغيّرت المجالس، وتبدّلت القيم، وأصبح حلّ المشاكل مشروطًا بالمال. صار الناس ينتظرون أغنى رجل في القرية ليُفتي، بينما الحكماء صامتون لأن لا أحد يصغي لمن لا يملك مالًا. أصبحت الآراء تُشترى، والمواقف تُباع، وغابت الأصالة.
ما عادت المادة قادرة على فكّ تعقيدات القرى، ولا على رأب صدوع العلاقات، لأن القيم لا تُباع في السوق. أصبح الأمل كجرامٍ من الذهب، يلمع من بعيد في عيني شيخٍ أرهقته المسافات، فيمضي خلف بريقٍ سرابي، حتى إذا غربت الشمس، مات على هامش الوهم.
هكذا تمرّ أيامنا، نركض في دوائر التيه، لا نلتفت إلى التحوّل الذي أصاب حضاراتنا، ولا نعي كيف انسابت منا تقاليدنا وعاداتنا. أصبحنا مجتمعًا متماهٍ مع العولمة، يلهث خلف الحداثة بلا روح، ينسى مبادئه، ويتجاهل دوره الحقيقي في مجتمعه الصغير.
كان يمكن لنا أن نُواكب العصر دون أن نفقد البوصلة، أن نُمسك بيد الحضارة ونجعلها تمشي معنا، لا أن نذوب فيها. كان يمكننا أن نُغيّر الواقع، لا أن نتنكّر له، وأن نُربّي أبناءنا على خطى أمثال حاج أحمد، لا على وهم الرفاهية الزائفة.
فليكن هذا النص دعوة للعودة إلى الجذور، وإلى المعاني التي تمنح للحياة طعمها. دعوة لأن نبحث عن "الرزق المبارك" في وجه حاج أحمد، لا في حسابات البنوك. في صدقه، لا في عقود الاستثمارات. في حكمته، لا في تهافت المنافع.








































