في جمادى الأولى كانت صرخة الميلاد، وفي حضن قرية معزولة بين الغابات والجبال نشأنا. هناك، حيث تكثر الماشية وتتنفس الأرض الزراعة، تربينا على البساطة، وعلى ملامسة التراب بأيدينا قبل أن نعرف معنى الأحلام.
كنا أطفالًا نمضي بخطى واثقة نحو مصيرٍ لم يكن دائمًا واضحًا، وأحيانًا بلا هدف سوى أن نكبر. لم تكن هناك مدارس تعلّمنا الحروف، ولا مستشفيات تداوي أوجاعنا، بل كنا نعيش في بقعةٍ منسية، مغلقة على نفسها، بعيدة عن صخب المدن، لا يربطها بالعالم سوى صوت الريح وهمس الجبال.
لم يكن البُعد الجغرافي وحده من عزلنا عن المجتمعات المتحضّرة، بل عقلية أهلها التي أقامت جدارًا منيعًا أمام كل محاولة للتغيير. رفضوا تدخل المنظمات التي جاءت بخير التعليم والدواء والتنمية، وأغلقوا الأبواب في وجهها، لا عن جهلٍ بحت، بل عن قناعةٍ متجذّرة أن كل قادمٍ من الخارج يحمل معه الفساد والجريمة.
قالوا إن شبكات الاتصال ستجلب الانحلال، وإن الهاتف بابٌ يفتحه الشيطان ليعبث بعقول أبنائهم. فبقيت القرية أسيرةً لصمتها، تعيد إنتاج عزلتها كأنها قدر محتوم. وكانت البساطة تتحوّل ببطء إلى حرمان، والاعتقاد الراسخ يتحول إلى سجن لا يُرى.
في ذلك المكان، كانت أحلامنا صغيرة، لا تتجاوز حدود الحقل والساقية، وأحاديث الكبار التي تدور حول المطر والماشية وأخبار الموتى. لم نعرف القصص، ولا الأفلام، ولا حتى شكل العالم خارج تلك الجبال. وكان الطفل إذا سأل عن مدينةٍ بعيدة، جاءه الجواب: "مالك ومالها؟ خلِّي بالك من بقرتك".
لكن وسط هذا الانغلاق، كانت هناك نفوسٌ قلقة، تبحث عن ضوء، عن سؤال مختلف، عن نافذةٍ تُطل منها على الحياة خارج حدود الخوف والتقليد. وكنت أحد هؤلاء. ورغم صغر سني، كنت أعلم أن هذا الصمت لا يمكن أن يكون كل شيء.
والحقيقة أنني لم أكن وحدي. كنا شبابًا نحمل ذات الحيرة، ونرث ذات الموروثات التي تكمّم الأفواه وتغلق العقول أمام التعليم والتحضّر. ومع مرور الأيام، كأنّ الريح هبّت من عمق الركود، وانطلقت بنا من فوضى المكان إلى فوضى أخرى، لكنها كانت فوضى التغيير.
ظهرت مجموعة عُرفت لاحقًا باسم "المجموعة المتمرّدة"، قررت أن تفتح نافذة نحو العالم، أن تُعيد تعريف القرية، وتزرع في تربتها بذورًا جديدة. أرادوا أن يُدخلوا إليها عالم التكنولوجيا، وحرية المعرفة، وأخبار العالم المتسارعة، لا لأنفسهم فقط، بل من أجل الصغار الذين يتربّون كما تربّوا هم، ومن أجل أجيال قادمة تستحق الأفضل.
كانت رؤيتهم واضحة: أن يضعوا بصمتهم في مسار التأسيس الحضري، وأن يلحقوا بركب ثورة التعليم والتنوير. فبدأوا بأنفسهم أولًا، وبمن يثقون فيهم من أصحاب العقول اليقظة، وحملوا راية الإقناع والثبات على الرأي، مؤمنين أن التغيير، وإن بدا مستحيلًا، ليس سوى قرار شجاع.
لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، لكنه لم يكن مغلقًا كذلك. فتح الناس أبوابهم، كأنهم يقولون للعزلة: "لقد تعبنا منكِ"، فكان القبول أول بشائر التحول.
وهكذا، تحوّل حلم المتمرّدين إلى واقعٍ عظيم، وتبدّل اسمهم إلى "مجموعة العظماء". وبجهودهم، أصبح في القرية مدارس ومراكز صحية ومستشفيات، ونوادٍ ودور ترفيه، واتسعت رقعة الأمل فيها. دخلت الاتصالات، وتبعها النور، وامتلأت الطرقات بصدى الحياة.








































