لم يعد من الممكن في عالم اليوم الاكتفاء بالنضال الفردي أو الاكتفاء بصفوف الحياد أمام الصراع السياسي. فالمناضل بلا انتماء سياسي محدد أشبه بمقاتل بلا سلاح أو طائر بلا أجنحة؛ جهوده مهما كانت مخلصة تبقى متناثرة، لا تجد طريقها إلى مؤسسات التغيير ولا تصنع أثرًا ملموسًا في الواقع. إن الخيار الأجدى والأكثر واقعية يتمثل في الانخراط في أحزاب سياسية حداثوية تحمل برامج واضحة وقابلة للتطبيق، وتترجم شعاراتها إلى خطوات عملية تلبي مطالب الشعب وتواكب متغيرات العصر.
لقد خبر السودانيون – ومعهم شعوب أخرى – تجربة الأحزاب الأيديولوجية القديمة، سواء ذات الطابع الديني مثل حركات الإسلام السياسي، أو ذات الطابع الفكري الجامد مثل الماركسية والاشتراكية الصلبة أو الليبرالية المتطرفة. هذه المشاريع وإن بدت في أزمان سابقة مخلِّصة أو واعدة، إلا أنها سرعان ما أثبتت عجزها عن التعايش مع الواقع، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات للإقصاء والتضييق وفرض الرؤى الأحادية على مجتمع متعدد.
فالإسلام السياسي، على سبيل المثال، لم يستطع أن يقدم نموذجًا يتسق مع روح الدولة الوطنية الحديثة. إذ غالبًا ما يستند إلى خطاب يخلط بين الدين والسياسة، فينتج أنظمة تسعى إلى تكريس الوصاية باسم العقيدة بدلًا من إرساء قيم الحرية والمواطنة المتساوية. وهنا تبرز المفارقة: مشروع يرفع شعار القيم الروحية، لكنه في التطبيق يغدو مقيدًا للحريات، مقسِّمًا للمجتمع، ومعطِّلًا لمسيرة الدولة المدنية.
أما الاشتراكية والمرجعيات الماركسية فقد أخفقت بدورها في أن تجد موطئ قدم ثابت على أرض السودان وغيره من البلدان، إذ عانت من الجمود الفكري وعدم قدرتها على التكيّف مع اقتصاديات مفتوحة ومعقدة. لقد ظلّت ترفع شعارات العدالة الاجتماعية، لكنها كثيرًا ما انتهت إلى أنظمة بيروقراطية خانقة لا تملك سوى إنتاج الفقر وتكريس الوصاية المركزية.
والليبرالية المتطرفة ليست بأفضل حال، إذ إن انحيازها غير المشروط إلى حرية السوق المطلقة جعلها بعيدة عن واقع مجتمعات فقيرة تحتاج إلى تدخل الدولة لحماية الفئات الضعيفة. هي مشروع قد يصلح في سياقات اقتصادية متقدمة، لكنه في بيئة كالسودان لم يكن سوى وصفة لتعميق الفجوة بين الطبقات وإغراق المجتمع في أزمات لا طائل منها.
لقد بات الشعب السوداني – ومعه شعوب كثيرة – أكثر وعيًا وإدراكًا بما يدور في أروقة الأحزاب السياسية. لم يعد المواطن ذلك المتلقي البسيط للشعارات الكبيرة، ولا ذاك الذي ينخدع بخطابات الخلاص المطلقة. وعي الناس اليوم أكبر من محاولات الاستغلال الفكري أو العاطفي. إنهم يبحثون عن برامج عملية ترتبط بلقمة العيش، بتعليم أبنائهم، بتوفير الخدمات الأساسية، وبخلق بيئة سياسية مستقرة تسمح للمجتمع بالنهوض.
من هنا، يصبح الحديث عن الأحزاب الحداثوية البرامجية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية. فهي الأحزاب التي تنطلق من مبادئ الديمقراطية التعددية، وتفهم أن المجتمع السوداني – كسائر المجتمعات – متنوع في أعراقه وأديانه وثقافاته، ولا يمكن حكمه بعقلية الإقصاء أو السيطرة. هذه الأحزاب لا ترفع شعارات كبيرة فحسب، بل تقدم رؤى واقعية: خطط اقتصادية قابلة للتنفيذ، سياسات تعليمية حديثة، برامج تنموية تخاطب الريف كما تخاطب المدينة، وتضع نصب أعينها أن هدف السياسة هو خدمة المواطن لا إخضاعه.
السياسة الحديثة ليست صراعًا على السلطة بقدر ما هي تنافس على البرامج. وكلما ازداد وعي الشعب ازدادت حاجته إلى قوى سياسية تتبنى هذا النهج، لا أن تعود به إلى الوراء عبر شعارات دينية أو أيديولوجية ضيقة. ومن هنا تأتي أهمية الانخراط في هذه الأحزاب، ليس فقط لإسنادها بل أيضًا لتطويرها من الداخل، وضمان أن تبقى متجددة ومتصلة بقضايا الناس اليومية.
إن رفض الأفكار الأحادية لم يعد خيارًا فكريًا، بل صار شرطًا أساسيًا لنجاح أي تجربة سياسية. فالتعددية والديمقراطية ليستا مجرد شعارات، وإنما آليات عملية تحمي المجتمع من الانقسامات وتمنع احتكار الحقيقة بيد جماعة أو حزب أو تيار واحد. السودان اليوم بحاجة إلى هذا النوع من الأحزاب التي تجمع بين وضوح الرؤية ومرونة التطبيق، بين الإيمان بالمبادئ وقدرة الإنجاز، بين الوطنية والانفتاح على تجارب العالم.
المناضل الفردي بلا حزب قد يظل رمزًا ملهِمًا أو صوتًا صادقًا، لكنه يبقى محدود الأثر. أما عندما ينخرط مع رفاقه في حزب حداثوي واقعي، فإن صوته يتحول إلى قوة جماعية قادرة على تغيير المعادلات ورسم المستقبل. ولعل الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من العقود الماضية هو أن الأحزاب البرامجية هي وحدها القادرة على تحويل التضحيات إلى إنجازات، والأحلام إلى حقائق، والشعارات إلى مؤسسات راسخة.
إن السودان، بكل ما يحمله من تعقيدات وتنوع، لا يمكن أن ينهض إلا عبر مشروع سياسي جامع يقوم على الحداثة السياسية ويفتح الباب أمام كل مواطن ليجد مكانه في وطن يتسع للجميع. هذا هو الخيار الأجدر، والسبيل الأمثل، والمستقبل الممكن.








































