هناك شعور بالراحة النفسية، واستقرار عميق للروح، حين تجد نفسك مع من تهواه قلبك وتطمئن له نفسك. شعورٌ يجعل اللحظات وكأنها تتوقف، والزمان يتباطأ، كي تسمح لك النفس بالاستمتاع بالهدوء والمشاركة الصادقة. قد تحمل نفسك إليه، أو يأتي هو إليك دون سابق إنذار، وأحيانًا قد يكتفي القدر بمكالمة هاتفية قصيرة، تتبادلان فيها أطراف الحديث، لكنها كافية لتأخذكما في رحلة إلى عالم مختلف، حيث الكلمات تتحول إلى مشاعر، والمشاعر تتجسد في الابتسامات الصامتة، والضحكات العابرة، وتلك اللحظات التي تعيد ترتيب الروح من جديد.
لم أشعر بهذا الشعور منذ وقت طويل. الأسباب كانت كثيرة، من ضغوط العمل المتراكمة، إلى تقلبات الحياة اليومية، وتغيير سياسات الدولة التي تبدو أحيانًا وكأنها تسحق أي مساحة صغيرة للراحة. كنا نتشارك مع رفاقنا لحظات من حياتنا، نسعد بوقتنا معهم، ونتبادل الضحكات والهموم، لكن تلك الارتباطات الاجتماعية ذهبت أدراج الرياح، ضحية البحث المستمر عن العمل، ومحاولة تحقيق توازن وهمي بين واجبات العمل وحاجة الروح للراحة. وفي النهاية، كانت النتيجة صفرية؛ فالعمل يغلب على كل شيء، والوقت صار محسوبًا علينا، بعيدًا عن إرادتنا، وعن علاقة القلب بما يحب ويطمئن له.
حتى أيام العطل الرسمية لم تكن رحمة لنا، بل غالبًا ما كانت أيام عمل إضافي، ما يُعرف بالـ"Over time"، حيث تضيع ساعاتنا في المكتب، وتذوب راحتنا بين دفاتر الروتين والمهام المتكررة. وفي كل مرة، كنت أستيقظ على صوت المنبه، وأشعر بأن الوقت صار عدواً، وأن حياتي صارت جدولاً من الالتزامات لا ينتهي.
إلى أن جاء اليوم، يوم مختلف، يوم شعرت فيه بأن الروح قد وجدت متنفسها. جئت إلى العمل مبكرًا، وإذا بإحدى الزميلات تنتظر عند باب صالة الضيافة، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة، أو كأنها تنتظرني أنا لأخبرني بما سيغير روتيني بالكامل. كانت مفاجأة لا توقعتها، وقعت كالنسيم اللطيف الذي يخرجك من حرارة الصيف القاسية.
ابتسمت، وقالت: "جئت لك بعقد عمل مع شركة مرموقة. هذا العمل سيمنحك فرصة لاستعادة راحتك التي سلبها الروتين من قلبك وروحك."
وقفت مذهولًا، والدهشة تملأ عيني، وقلت: "حقًا؟ هل أجد هنا فرصة لمستقبلي ومستقبل أولادي غير هذا العمل الذي يلتهم أيامي؟"
ابتسمت مرة أخرى، تلك الابتسامة التي تحمل دفء الصداقة والصدق، وقالت: "لا تنتظر، هذا الخبر يستحق الاحتفال. لا تدع الفرصة تفلت منك. هيا، دعنا نعود إلى المكان الذي كنا نتبادل فيه المشاعر، ونقلب دفاتر الماضي، ونسترجع سيرة حياتنا السابقة، التي لم تنطفئ بريقها رغم كل ما مرّ بنا."
في تلك اللحظة، شعرت بأن العمل لم يعد عبئًا، وأن الوقت أصبح ملكًا لي من جديد، وأن الراحة النفسية لم تعد حلمًا بعيد المنال. شعرت بأن الحياة تستحق أن تُعاش بعمق، وأن الروح تحتاج إلى لحظات كهذه لتتجدد، لتستعيد الألوان المفقودة، لتحتفل بالوجود، وتعيد ترتيب الأولويات.
كانت لحظة الانفصال عن الروتين الممل، والانغماس في لحظات لا تُقدر بثمن، حيث الكلمات لا تُقرأ فقط، بل تُحسّ، والابتسامات لا تُرى فقط، بل تُشعر. لحظة جعلتني أقدّر أن الحياة ليست مجرد عمل وواجبات، بل هي أيضًا مشاعر، فرح، ومشاركة صادقة. لحظة جعلتني أعيد النظر في كل ما أملك، وفي كل من حولي، وفي كل فرصة تأتي لتذكّرنا بأن الراحة الحقيقية تأتي حين نسمح لأنفسنا بالعيش، لا بالالتزام فقط.








































