لست أدري لماذا أحس بهذه الرغبة العارمة إلى سماع صوتك ..
لست أدري لماذا لا أجد نفسي إلا حينما أسمع صوتك ، إلا حينما ألتقي بك ..
منذ جمعتنا ظروف غريبة ، غرابة نفسي التائهة ، والتي أحس أنها لا تعود إلي إلا حينما يتردد صوتك في أجواء نفسي حنونا ، متحمسا ، وديعا ، قويا ، فيصبح جسدي كله آذانا تصغي إلى كلماتك .
وأطلب منك ألا تصمت ، أن تقول أي شيء وكل شيء .
ولا أريد أن ينقطع حبل صوتك لأنه يشدني إلى الحياة ، لأنه يملأ حولي المكان فأنسى كل شيء ، أغيب وأغيب في نبرات صوتك .
وأتمنى ألا تجري عقارب الساعة ، لكي أظل أطول مدة ممكنة معك ، أنصت إليك وحتى يظل حبل صوتك يشدني إلى نفسي الضائعة ويبعدها عن التفاهات اليومية الروتينية .
ويغمرني صوتك برقته ، يملؤني بعذوبته ، يصاحبني وأنا أجر جسدي على الطرقات .
أصبح صدى كلماتك يستولي على كل جسدي ورناته ترافق خطواتي وتصعد الكلمات إلى شفتي لأنطق بها بنفس الطريقة التي تنطق بها أنت ..
وأتعذب كلما استعصى علي استرجاع نبرات صوتك ، أحس بنفسي تزداد بعدا عني ونفورا مني .
ويملؤني الغيظ والحنق ..
كيف ينقلب أمري بهذا الشكل ؟
ماذا حدث؟
ويصيبني نوع من الخوف والرعب .
يجب ألا أنقاد إلى هذه الأحاسيس الطاغية ، المتجبرة .
أين أنا من كل هذا ؟
أين الإنسانة القوية التي كنت أسخرها لطرد كل شعور من شأنه أن يجعلني أنسى القسوة ، العنف ، الذل ، المهانة ..
منذ زمن ، كنت قد عاهدت نفسي ألا أثق بأي إحساس يزين لي الحياة ،ولا بأية مودة او وعود أو حنين ..
كنت عاهدت نفسي أن نذهب بعيدا عن كل هذا ، وألا نؤمن ونصدق إلا الواقع المر ، لأنه ليس هناك واقع جميل ..
كنت قد عاهدت نفسي ألا نثق إلا في بعضنا ، ألا نترك مجالا لمثل تلك المشاعر الرقيقة المخادعة لتنساب إلينا ، فنهوي معا في أغوار الخوف والغدر والهوان، لكن بعد أن فترت الحياة في نفسي ، وأصابها الجمود والبرود واقتربت منها الموت ،
وبعد أن أصبحت عبارة عن دمية خشبية ، تتحرك وكأنها موجهة عن بعد ، تقوم بنفس الحركات ، تقول نفس الكلمات ، وتقوم بنفس الأفعال ،
جئت أنت بكل ما لديك من قوة ، لتسيطر علي ، لتخرجني من عالمي الذي قاومت كثيرا من أجله ، وسهرت الليالي أصنعه رفقة نفسي ، جئت مصمما ، وقد قررت منذ النظرة الأولى أنني الدمية التي يجب أن تعطيها شيئا من الحياة ، بعد أن كادت تفنى .
ولست أدري لماذا اقتربت منك أكثر ، هل لأنك النار وأنا الخشب ؟
ولست أدري لماذا انبهرت بك ولماذا أيقظت في كل حواسي إعجابا قويا طاغيا ؟
وأصبحت كالمعتوهة ، أحوم حولك ، أفكاري مشدودة إليك ، أحاول أن أنزعها عنك انتزاعا ، فتنفر عائدة إليك ؟.
ماذا حصل ؟
صمودي كبير، قوتي لا حد لها ..
وأطلب من أذني ألا تسمع رنات صوتك ، ألا تسترجع كلماتك ،
أعد الثواني والدقائق ، وصوتك يعم المكان حولي ، لا أسمع غيره .
وأطلب إلى نفسي أن تهجر خيالك ، أن تندثر وتفنى ..
فلا وفاء ، ولا إخلاص ، ولا حنان ، ولا حب ، ونفسي لا تهتم ولا تبالي .
وخيالك يكبر في عقلي ، يفترش أمامي الأرض يستولي على محيطي ، لا أرى غيره .
لا أعرف كيف ترضى نفسي لنفسها أن تصبح ملكك ، وقد عودتها التحرر والانطلاق ، ربيتها بعيدا عن كل البشر لا تتشبث بالأحلام ولا تعيرها أي اهتمام وهاهي اليوم تتبع طيفك ، حالمة وكأنها تحت تأثير ميغناطيسي .
وأتوسل إليها أن تقبض على زمام أمرها ،أتوسل إليها أن تتركك وتعود إلي ، لكنها أصبحت لا تسمع إلا بأذنيك ، و لا ترى إلا بعينيك .
وأصبحت أخشاك ،
أصبحت لا أثق بنفسي ، أصبحت أشك في أمري ،
هل هذا هو الحب ؟
هل الحب هو الرغبة التي تستحوذ علي في أن أحدثك بالذات كلما كنت أتحدث .
هل الحب هو الشعور الحاد الذي يستولي علي في الحديث إليك بدلا من الحديث إلى الغير في أن أكون معك وحدك بدلا من أكون مع غيرك من الناس ، في أن أرى وجهك أنت بدلا من ان أنظر إلى وجوههم ، في أن أضحك لك وحدك عندما أضحك معهم .
هل الحب هو الصمت الذي يسيطر علي حينما أكون في حديث معهم فأتذكرك فأسكت على التو وكأنني اقترفت ذنبا ما .
هل الحب أن أشعر بك إلى جانبي في كل لحظة تشاركني كل شيء ؟
هل هذا هو الحب ؟
أنا خائفة من كل هذا ، خائفة من عناد نفسي التي لا تبتغي سواك رفيقا لها ، في كل حركاتي وسكناتي .
أحاول أن أثور على نفسي ، لكن ثورتي فاشلة أمام رعونة نفسي وتعلقها بك .
هذه الأيام ، وحتى في غيابك أصبحت أخشاك أكثر مما مضى .
لو أنك سخرت مني موضحا :
ــ ( انظري يا عزيزتي لم أكن أظن أنك بلهاء إلى هذا الحد فكل ما بيننا ليس إلا نزوة طائشة ، أنا لم أحبك أبدا ومشاعري تجاهك تكون وليدة اللحظة وتموت في نهاتها ..)
لو قلت لي ذلك ، لارتاحت نفسي ، وعادت إلي آمنة مطمئنة ، لكن كلامك معي كان يرفعني من على هذه الأرض إلى الأعالي ، فأصبحت كأنني شخصا آخر لم يعد يرى غيرك في هذه الدنيا .
لم أكن أهتم أبدا لما يقوله الناس عني ، فنفسي سجنتها بعيدا عنهم ، وجسدي استطعت أن أجعله عبدا لي أسيره كما أشاء ، لكنك جئت تزور نفسي في سجنها، فألقيت في أذنها بشعار الثورة ، فصدقته، فثارت وراء القضبان ،لكن صدقني فهي مازالت وراء القضبان ، لن أطلق سراحها إلا حينما أعرف ..
إلا حينما أتأكد أن هذا هو الحب ..
ذلك أن نفسي المسكينة ، الضالة لم تعرف الحب أبدا ،
نعم ، نفسي عرفت الكثير من المساومين بالحب ، وفتحت عيني على الحياة لأجدها مليئة بذئاب شرسة ، تتلهف شوقا لامتلاكي ، لكن نفسي الحرة ، ومنذ ذلك العهد الأزلي البعيد وضعت نفسها في سجن أبدي ، إلى أن أتيت بحبك هذا الذي جعلها تثور في وجهي ..
أفلا يحق لها بعد كل ذلك أن تتساءل عن مدى حبك وجديتك ،
الحقيقة أنني كنت اتضرع إلى الله لكي تكون عابثا ، لأستطيع حينئذ أن أطلق نفسي الحبيسة وراءك .
أحسست بشعور غريب ، وأنني تعيسة جدا وأنني في حاجة إلى أن أضع رأسي على صدرك ليرتاح عقلي من التفكير ويتوقف عن الدوران ولو للحظات لكي أستريح وأنسى كل شيء ، أنساها هي ومشاعرك نحوها مهما كانت ، وأنسى حتى نفسي الشقية ، المجنونة .
وغبت ، ذهبت وراء أمنياتي ، وصوتك دائما يصل إلي ويتخلل أجواء جسدي .
نعم ،
إنني امرأة مجنونة يا عزيزي ،
قبل أن أعرفك ،
كنت أصرخ في وجه من يتحداني ، وأصفع من يغضبني ،
وأنا سريعة الملل يا عزيزي ،
قبل أن أعرفك ، كنت أرجع أحيانا من منتصف الطريق إلى البيت ، لأغير ثوبا أزعجني لونه .
وكنت أسير لمسافات طويلة على الأقدام ، تحت المطر ، لأنني أريد أن أمرض بعض الأحيان .
وكنت أمتنع عن الحديث مع أي كان لأيام طويلة .وكنت أـرك سريري لأنام على الأرض وقد أظل مستيقظة ، مفتوحة العينين حتى لا أحلم .
وكنت لا أحب الذهاب إلى السنيما أو المسرح لأنني لا اتمكن من الجلوس في مكان واحد لساعتين أو أكثر دون حراك.
وأنا امرأة حرة يا عزيزي ،
وقبل أن أعرفك ،
كنت أبتسم لرجل يتبعني في الشارع ، فيستمر في ملاحقتي إلى أن أصل إلى الزقاق المؤدي إلى بيتي فأستدير وأبتسم له مرة أخرى وأدخل إلى البيت ، وحينما أجده في الغد ينتظرني في أول الشارع ، اتجاهله تماما وكأنني لم أ ره مطلقا من قبل ، وأسرع الخطى في تعقل ورزانة .
قبل أن أعرفك ،
كان زملائي يحتارون لأمري وأنا أشعر بالفخر واستمتع بذلك ، فأبتسم للمتودد لي منهم اليوم وأعبس في وجهه اليوم التالي .
وهكذا أعيش في عالمي كما يحلو لي ، والعالم ، كل العالم عندي تافه ، فارغ .
ونفسي في كل ذلك ، سجينتي وراء القضبان ، هذا الكائن المنفصل عن جسدي
لا أراه لكنه كطيفي ، يتبعني في كل مكان وزمان ..
حينما عرفتك ،
تركت نفسي هناك ، عندك .
أردت التخلص من هذا الطيف المرهق ، المقلق ، الذي لا يصمت ولا يتعب ، هذا الطيف الدائم الحركة الذي استوطن آثار قدمي ، يدور ويدور ، فيدور جسدي ، في الصقيع ّ، في الشمس المحرقة ، مع ظلال الأشجار وفي الظلام .
ويغفو ، فيغفو جسدي ،
يتعب ، فيتعب جسدي ويتأوه ،
ينتفض ، فينتفض جسدي متهيجا.
وحينما وجدتك ، أردت أن أخلد إلى الراحة قليلا ، فتركت طيف نفسي ، أمانة لديك لأذوق بعض السلام .
لا أعرف إن كنت واضحة ، ربما علي أن أكون أكثر دقة في تفسيري
حينما سألتني : ــ فيما تفكرين ؟
كنت أفكر في أنني أحتاج إلى رؤيتك دائما وكل يوم ، ومرات عديدة في اليوم ، فأنا لا يمكنني أن أدور دون أم يكون هناك طيف نفسي ، ولا يمكنني أن أغفو ، ولا يمكنني أن أتعب ، ولا أن أنتفض ولا ..ولا ..
لا يمكنني أن أتنفس ، أن أمشي ، أن أتكلم دون طيف نفسي ، يساعدني ، يراقبني .
كنت أفكر أنني أحتاج إليك أن أسير إلى جانبك باستمرار، أحتاج لأكون قرب طيف نفسي الذي لم يكن ليفارقني أبدا .
ورغم أنني أصدق أنني لست واحدة ، ولكن كل النساء بالنسبة إليك ، ورغم أنني أعرف أن طيف نفسي يلازمك كما يلازمني إلا أنني أشعر وكأنني في قارة وأنت في قارة أخرى ، أتلوى شوقا لأراك ، لأصل إليك ، فأنت تعرف كم أخاف الوحدة التي تستحوذ على كل حواسي وعلى ماضي وحاضري ومستقبلي .
أنت تعرف أنني أرتجف من الصقيع ، فأنا أريد نارا تحرق ،
أريد حبا كبيرا يمسح كل مللي ، وهفواتي وجنوني وسخافاتي ،
أقول لك كل هذا ، لأنك وحدك استطعت أن تمزق ستائر الملل والوحدة الكثيرة التي نسجتها لنفسي ووضعتها عليها ، ولففتها بها لفا .
لأنك منذ أن عرفتك ،
تسللت إلى أعماقي ،دون آخذ علما بذلك وحينما رجعت إلى كنه نفسي وجدتك هناك ، تستوطننها ، تلهو ، تفرح ، تعذبني ..
حينما عدت إلى البحث في أعماقي صدمتني نظراتك من قرار نفسي ، أحرقتني بشعاعها الذي أضاء غياهب نفسي وأنار ظلامها ، ظلام سجن سحيق ..
لم أستطع أن أفتح عيني من فرط النور الذي تجلى لي من خلالها ، لم أتمكن من النظر إلى أي شيء آخر بعد ذلك ، فبقيت مغمضة العينين ، أنتظر ..
وانتظرت طويلا أن تخرج مني ، من نفسي ، أن تفك حصارك عنها ، حاولت أن أطردك منها ، لكنك بحبك استطعت أن تجعلني أفتح عيني لا لأطردك من أعماقي بل لأنظر إليك مشدوهة ..
منذ ذلك الحين ، ورغبة كبيرة عارمة تراودني ، تسيطر على الدنيا بأكملها ، رغبة مستمرة ، متولدة دائما عن الأخرى القديمة في أن أراك ..
أريد أن أراك ..
أن أبحر وسط عينيك ..
كلمات تتفكك حروفها لتتكون من جديد ، مسلسل نهاية له من جملة واحدة ، متكررة في ذهني وفي عيني وفي قلبي ، على ملامحي ، تنبع من على شفتي ، كلمات يتردد صداها في كل الكون ، يملأ سمعي ، يصك آذاني :
أريد أن أراك ،
هل هذا هو الحب ؟
إنني لم أعرف يوما طعما ، ولا لونا ولا معنى للحب ،
وكل ما حدث بيننا كان كالحلم المفاجئ ، تستيقظ منه ، وتغمض عينيك للتو، متوخيا الاستمرار فيه إلى الأبد ،
حلم من كلمات ونظرات مخترقة تمتص الأنفاس لتظل وكأنك معلق بين السماء والأرض خارج مقياس الزمن .
أريد أن أرك ، لأدخل مرة أخرى ذلك العالم ، لآخذ ركنا في عينيك واستقر فيه وأطمئن ، وأصنع عالمي الخاص الذي لن ينازعني فيه أي أحد .
هل معنى هذا أنني أحبك ؟
سيتبادر إلى ذهنك أنني فقدت كل معنى التعقل والرزانة أنني أصبحت تائهة وضالة في عالم من الحيرة والشك والارتياب ..
أريد أن أصبح ضالة في عينيك ،
أن أضيع فيهما ، أن أسافر مع جنوني في غابات نظراتك واستمد من نورهما قوتي وشجاعتي .
قد كنت من قبل ، ضالة فعلا وضائعة ومسافرة في وحدتي وتعاستي في عالم دون حدود ، لكنني الآن أريد أن أسافر في عالم خاص بنا وأنت وحدك حدوده لا أحيد عنها ،
عالم لا يسع غيرنا .








































