كنت طفلة... لا أكثر من ظلٍّ صغيرٍ يبحث عن الدفء.
لم أكن أعرف أن بعض البيوت تُشبه البحر... لكن موجها قاسٍ لا يحتضن أحدًا.
كنت أحتاج فقط أن يراني أحد، أن أكون كما أنا، دون أن يطلبوا مني أن أكون شيئًا آخر.
الطريق من المدرسة للبيت كان قصيرًا... لكنه كان يبدو لي أطول من عمرٍ كامل.
كنت أبطئ الخطى، أختلق الأعذار لأتأخر قليلًا، لأبقى أطول وسط الوجوه التي تشبه الضوء.
في المدرسة كنت عادية، لا متفوقة ولا مميزة، لكنني كنت أشعر أنني موجودة... أنني آمنة.
أما البيت، فكان جدرانًا باردة، صمتًا يلتهم أنفاسي، ومكانًا لا يعرفني.
كنت أعود إلى البيت كمن يدخل امتحانًا لا يعرف ما ينتظره.
الوجوه جامدة، الأصوات حادة، والخوف يسكن الزوايا.
لم أفهم يومًا لماذا أدفع ثمن شيء لم أفعله، ربما كان ذنبي الوحيد أنني جئت من حبٍ ناقص، أو من زواجٍ لم يُولد فيه الأمان.
كنت أشعر أنني أتحمّل صراخًا لا يخصني، وأُعاقَب على أخطاء لم أعرفها، فقط لأنني هناك... لأنني ابنتهم.
كنت أجد نفسي أهرب إلى صفحات الكتب، أختبئ بين الحروف كما أختبئ في ظلال الشوارع.
أكتب في دفاتري الصغيرة، أحلم أن كلماتي تصنع عالماً آخر، أكثر لطفًا وأكثر أمانًا.
كنت أرسم خيالاتي على الورق، وأصنع لي بيوتًا لا تنهار، ووجوهًا لا تصرخ، وأحلامًا لا يُحاسب عليها أحد.
بين القراءة والكتابة، شعرت أن جزءًا مني لا يزال حيًا، وأن قلبي لم يُكسر بالكامل بعد.
كنت أحلم بحياة أكون فيها أنا فقط، بلا أقنعة، بلا خوف، بلا جدران باردة تحاصرني.
حياة أحتضن فيها نفسي كما أنا، وأحب كما أحب، وأتنفس بلا عذاب.
وفي النهاية، أسأل نفسي بهدوء: هل استطعت يومًا أن أكون أنا؟
أم أن الطفلة التي كنتها لا تزال تبحث عن دفءٍ لم تلمسه بعد؟








































