عاد هشام ذات ليله ويبدو عليه الإرهاق الشديد ، فألقى بجسده المنهك فوق أقرب مقعد قائلا : مساء الخير يا شيرين ... لماذا تسهرين إلى هذه الساعه؟
شيرين : إنتظرك ، لقد أوحشتنى كثيرا ، نحن معا فى منزل واحد ولكن لا أراك
إبتسم لها فى إرهاق قائلا : آسف جدا .. فى الحقيقه إننى كنت مشغولا جدا هذه الأيام لأن عندنا جرد وتقفيل ميزانيات وطلبات واجبة التصدير .
قالت فى إشفاق : ولكنك ترهق نفسك كثيرا .
قال : أحيانا يكون الإنغماس فى العمل أفضل من الراحه التى تجعل الإنسان فريسه للفكار المتعبه
أرادت ألا تخوض معه فى هذا الموضوع فقالت : إننى لم أتناول عشائى وأنتظرك .
إبتسم لها إبتسامه شاحبه قائلا :حسنا برغم أنى ليس لى أية رغبه فى الطعام ولكنى سأتناول معك العشاء لأجل خاطرك .
تهللت أساريرها ونادت أم إسماعيل لتجهيز العشاء.
جلسا معا لتناول الطعام تحدث إليها قائلا : لقد إتصل بى دكتور صلاح اليوم وأخبرنى بأنه إنتهى من تجهيز ديكورات الشقه وإنه سيحدد معك موعدا لشراء الأثاث .
أجابته : نعم لقد إتفقنا أنا وهو أن نخرج يوم الجمعه القادم لشراء الأثاث ولقد إخترت هذا اليوم لتكون معنا ونحن ننتقى الأثاث .
نظر إليها قائلا : حبيبتى هذا منزلكم ، عشكم الجميل ، وأنتم الوحيدان اللذان تنتقيان أثاثه وليس من حق أى أحد التدخل ،
ثم نظر إلى لاشئ وكأنه يحادث نفسه مستطردا : إنه أجمل شئ فى الدنيا أن يعد الإنسان بيته هو وشريك حياته البيت الذى سيتوج حبهما
توقفت عن تناول الطعام وأدركت ما يجيش به صدره فسألته فى صوت خفيض وكأنها تخشى أن يسمعه : كيف حال سلوى ؟
شبك أصابعه وإستند بذقنه عليها قائلا : كما هى تقف على الهامش لاهى قريبه ولاهى بعيده .
صمت لحظه ثم أردف فجأه : شيرين ما رأيك ، لقد قررت أن أتقدم لخطبة سلوى فلن أعبأ بعد اليوم بالأعذار الواهيه التى تقولها لى ، فأنا لا تقنعنى أبدا أن تقف أم فى طريق سعادة إبنتها ، ثم إننى أصبحت أضيق ذرعا بركوب أرجوحه الحب هذه ، مره فوق ومره أخرى تحت لا أجد أرضا أقف عليها ، قالت له : خيرا ففى هذا راحة لك ولها وربما ما تخشاه هى لن يكون له وجود .
إرتاح لتأييدها له وكأنه كان ينتظر منها هذه الكلمه
إنتهى من تناول عشائه وإتجه إلى حجرته وقد قرر أن يتصل بوالدتها فى الصباح ويحدد معها موعدا ، وبالفعل حدد معها موعدا فى الخامسه تماما
وفى الساعه الثالثه إتصلت به وكانت فى عصبيه لم يعتدها منها ، فقد طبيعتها هادئه إلى حد اللامبالاه ، فما إن رد عليها حتى سألته فى عصبيه شديده : لماذا هذا التسرع ، لماذا فعلت ذلك دون آخذ رأيى .
أجابها مستنكرا فى دهشه : تسرع ؟!! إننا نعرف بعضنا البعض منذ سنتين وتقولين تسرع !!
أجابته صارخه : لقد تصرفت بحماقه ..... صدمته الكلمه فردد فى ذهول : حماقه !! أى حماقه فى أننى أريدك زوجه ، أم ما بيننا جريمه يجب أن نتوارى خجلا منها .
شعرت ببعض الندم وقالت : أنا لاأقول جريمه ولكن .. ولكن ...
توقفت عن الكلام فى حنق وظل هو ممسكا بسماعة الهاتف وعلى وجهه علامات الدهشه والصدمه ، ثم قال لها ناهيا المحادثه : سلوى لقد حددت موعدا وسآتى فى الخامسه لأضع نهايه لهذا الموضوع ، ثم وضع السماعه حتى لا يعطيها الفرصه لجرح مشاعره أكثر من ذلك وكأنه يخشى أن تصدمه فى حبه وفى قلبه صدمه تطيح بأحلامه معها .
حاول أن يهدئ من حالة التوتر والإنفعال التى إعترته من جراء تلك المحادثه ولكن كل محاولاته ضاعت هباء ، فكلما فكر فى موقفها الغريب هذا شعر بضيق شديد ، فمن المفروض أن أية فتاه تحب أن تقترن بمن تحب وتفرح بقرب تحقيق هذا الأمل ، فما معنى هذه الثورة العجيبة إذا
كلما تعمق فى التفكير لايجد تفسير سوى أنها لا تحبه ، نعم بالتأكيد هى لا تحبه .
زفر فى ضيق وقال محدثا نفسه : لا أدرى إلى متى سأظل معها هكذا أعيش فى حالة الحب واللا حب ، إلى متى سأظل واقعا فريسه مشاعرها المتضاربه لا...إنه القرار الحاسم ، لابد منوضع نهايه لهذه المعاناه ، سأذهب لمقابلة والدتها وليكن ما يكون .
فى تمام الخامسه طرق باب منزلها وفتحت له الباب سيده يبدو عليها إنها فى العقد الخامس من عمرها وعرفها على الفور إنها والدة سلوى ، فلها نفس جمال سلوى وإن كانت السنون قد شوهت بعضا منه ...
تنحنح قائلا : هشام مصطفى عزام
أفسحت له الطريق قائله : مرحبا بك تفضل
قادته إلى حجرة الضيوف ، جلس وقد إعتراه توتر وإرتباك لا يدرى سببه .
شع أنها ترمقه بنظرات ثاقبه تريد أن تستشف من هو وماذا يريد ، ولما طالت فترة الصمت قالت : خيرا يا أستاذ هشام حضرتك أخبرتنى أنك تريدنى فى موضوع مهم بخصوص سلوى خيرا إن شاء الله .
إبتسم محاولا التخفيف من إرتباكه : إسمى كما ذكرت لحضرتك هشام مصطفى عزام خريج كليه التجاره وأدير شركات والدى المرحوم مصطفى عزام ومصنع لإنتاج المواد الغذائيه ورثناه أنا وشقيقتى عن والدى رحمه الله ، وكنت بحكم عملى أتعامل مع البنك الذى تعمل به الآنسه سلوى وأعجبت بها كثيرا وقد جئت لأتقدم لخطبتها
نظرت إليه فى دهشه : سلوى بنتى أنا ؟!
هشام : أجل يا سيدتى سلوى
صمتت قليلا ثم سألته : وهل تحدثت مع سلوى فى هذا الموضوع ؟
رد فى إقتضاب : نعم .
الأم : وماذا كان ردها ؟
هشام : تركت الموضوع لحضرتك
إعترى وجهها الدهشه وقالت: غريبه !!!!
هشام : وما الغريب فى ذلك ؟
الأم : لأن سلوى مخطوبه منذ ثلاث سنوات
هب من مقعده كمن لدغته عقرب
وهو يردد فى ذهول : مخطوبه ؟!!!كيف
نهضت بدورها وهى تقول فى دهشه لثورته : نعم يا بنى مخطوبه وخطيبها فى الخليج ليدبر لها لوازم حياه كريمه ، فقد أخذ عهد على نفسه أن يوفرها لها
ردد وكأنه لم يسمع شيئا : مخطوبه !! لماذا لم تخبرنى بذلك
قالت الأم : هذا ما يثير دهشتى
هتف فى عصبيه : أرجوك أريد أن أعلم منها لماذا لم تخبرنى بأمر هذا الخطيب لماذا خدعتنى .... أرجوك أريد أن أفهم .
قالت : لا بد أنك قد فهمت كلامها غلط .
زاغت عينيه من شدة الصدمه وإندفع خارجا من المنزل وكأن شياطين الأرض كلها تطارده .
عاد إلى منزله وصعد سريعا إلى حجرته وأغلق بابها خلفه وظل يترنح كالطير الذبيح لايدرى ما حدث ... أكان وهما أم كابوسا أم حقيقه أم ماذا .... أم ماذا ....
جلس على الفراش ودفن وجهه بين راحتيه والأفكار تلتهمه إلتهاما بلا رحمه يسأل نفسه سؤال بلا إجابه : لماذا خدعته لماذا ؟
إنتبه على رنين الهاتف ووجدها على الطرف الآخر وهى تقول فى رجاء : هشام أرجوك سامحنى وحاول أن تفهمنى .
رد فى عصبيه : أفهم ماذا ؟ إلى هذه اللحظه كنت أعطى نفسى أمل أن ربما تكون والدتك تكذب على وتكونى أنت صادقه ، أن يكون ما قالته والدتك وسيله مهذبه فى الرفض .... كم كنت أبله !
سلوى : أرجوك يا هشام أنا لم أخدعك ، لقد كنت لا أريد أن تضيع منى وكنت أؤجل هذه المقابله إلى أن أتخلص من هذه الخطوبه .
هشام فى ثوره : وما ذنب خطيبك .. هل ذنبه أنه أحبك ويريد أن يهيئ لك حياه كريمه تحمل من أجلها السفر والغربه ويكد ويعمل من أجلك فيكون جزاؤه الغدر والخيانه ، وإن صدقت كلامك فى أنك تحبيننى فكيف آمن لكى بعد ذلك بعد أن غدرت بإنسان ليس له ذنب سوى أنه أحبك ،وبعد كل تلك الأكاذيب التى كنت تقولينها لى ،آآآآآآآآه ...
ألهذه الدرجه كنت مخدوع فيك إنى حقا آسف على كل لحظه أحببتك فيها ، ثم وضع السماعه فى عنف وجلس يرتجف من شدة الإنفعال
هكذا تكون نهاية حبه ، هكذا نكون نهاية علاقته بسلوى ، سلوى الت كانت بالنسبة له الحلم الجميل الذى يهرب فيه من كل آلامه ، لم يخطر بباله أبدا أن يقول لحبه وداعا
لم يذق طعم النوم طوال هذه الليله وما أن إنبلج ضوء الصباح حتى خرج من منزله وإنطلق بسيارته لا يعلم إلى أين يذهب وكلما تنطلق به السياره شعر أنه ينطلق فرارا من أحزانه حتى وجد نفسه فى الإسكندريه على شاطئ البحر وترجل من سيارته وإتجه إلى البحر سائرا على الرمال وجلس فوق صخره ينظر إلى البحر ووجهه جامدا لا يحمل أى تعبير ، وعجيب هذا الحزن كلما نشب أظافره فى قلب إنسان كلما مسح أى تعبير على الوجه وكأن الحزن كالموت كلما سكن القلب نزع من العيون بريقها ونزع من الوجوه أى تعبير .
ظل جالسا مكانه يستعيد قصته مع سلوى كل كلمه ، كل لقاء ، كل موقف والغريب أنه كلما تعمق فى التفكير وجد أنه كان يسجن نفسه فى وهم كبير وهوحبه لسلوى ، لم يكن حبا بل كان هروبا ، أحس إنها لم تخدعه بل هو الذى خدع نفسه كان واضحا وضوح الشمس إنها لا تحبه ، من تهربها منه ، من أعذارها الواهيه ، من ثورتها لمعرفتها إقدامه على خطبتها ، ولكن غمامة الحب كانت على قلبه وعينيه حتى لم يرى الحقيقه التى كانت واضحه أمامه ، ظل جالسا فتره طويله يعيد محاسبة نفسه ويحاول أن يخرج نفسه من حب الأوهام الذى ألقى نفسه فيه بإرادته ولذلك قرر أن يعصف بكل ماضيه ويلقى به فى مهب الريح وليبدأ حياه جديده بلا وهم ، بلا حب بلا أحزان .
فى المساء وجد شقيقته فى إنتظاره وهى فى غاية القلق عليه ، ألقى عليها التحيه فى إقتضاب وهم بالصعود إلى حجرته ولكنها إستوقفته منادية إياه ، فإستدار مواجها لها فاقتربت منه ثم سألته فى حنان : هل أنت بخير؟ .... أجابها ووجهه يحمل نفسى التعبير الجامد :
- نعم ... لماذا تسألين هذا السؤال؟
- لأننى أراك حزينا ، ثم إننى ......
صمتت وكأنها لا تقوى على تكملة حديثها فقال لها : إنك ماذا .....
قالت وهى لا تسيطع النظر فى عينيه : إننى أعلم ما حدث بينك وبين سلوى
قطب حاجبيه متسائلا : ومن أين عملت ؟
تلعثمت قائله : لقد إتصلت بى سلوى اليوم وأخبرتنى وكانت تريد أن تعطيها فرصه لكى .....
قاطعها : أرجوك يا شيرين لا أريد التحدث فى هذا الموضوع مره أخرى لقد إنتهى هذا الموضوع إلى الأبد
لم تجرؤ على الإعتراض لما أحسته فى صوته من ألم جعلها تشفق عليه
- تصبحين على خير ، قالها وإتجه إلى حجرته مغلقا بابه خلفه ومغلقا هذه القصه إلى الأبد .
مرت الأيام وهشام يغمس نفسه فى العمل طوال الوقت حتى لا يدع لنفسه ثانيه يفكر ويدخل نفسه فى دائرة النسيان حتى أصبح عمله ومشروعاته كل همه وشغله الشاغل .
وذات يوم وهو منهمك فى عمله أتاه صوت أخته تقول له بصوت ضاحك ها قد وجدتك أخيرا يا شقيقى العزيز
إستقبلها بإبتسامة باشه قائلا : مرحبا بأجمل شقيقه على وجه الأرض ، ترى ما سر هذه الزياره السعيده
شيرين :لقد أوحشتنى .. نعيش فى منزل واحد ولا أراك ، ثم إننى أريد أن أناقش معك آخر ترتيبات حفل الزفاف .
قال لها مداعبا : آآآآآآآه .... إذا هذه هى الحقيقه حفل الزفاف هو السبب لا إننى قد أوحشتك .
ضحكت وقالت : لا و الله لقد أوحشتنى كثيرا ، ثم إننى فعلا أريد أن أعرف ماهى آخر الترتيبات لقد إقترب موعد الزفاف .
أمسك كتفيها بيديه قائلا : لقد حجزت لك الفندق وأتمتت لك جميع الترتيبات ، سيكون بإذن الله أجمل حفل زفاف لأجمل عروس فى الدنيا أنا لاأستطيع أن أؤخر لك طلبا .
قالت فى عاطفه وإمتنان : أبقاك لى الله وأسعدك بقدر ما تفعل من أجلى .
نظر إليها فى حنان قائلا : أنت كل ما لى فى هذه الدنيا ، فأنا لا أتخيل كيف ستكون حياتى بعد أن تتزوجين ، ستتركين فراغا هائلا فى حياتى .
ترقرقت الدموع فى عينيها قائله : رزقك الله بمن تملأ حياتك حبا وحنانا وتعوضك عن كل الحب الذى ضاع منك .
هشام : لقد نسيت هذا الموضوع ولم أعد أفكر فيها أو فى إنسانه أخرى .
شيرين : سلوى ليست أول النساء ولا آخرهم ، يوجد من هن أفضل منها بكثير وإنى واثقه إنك ستقابل الحب الذى يملأ حياتك ويسعد قلبك .