كان أمامي طفلتين يلهوان ويلعبان معا ببعض اللعب في هدوء ودون ضجيج .. كنت أقرأ في كتاب فلم أعيرهم كثيرا من انتباهي لأنني في الحقيقة برغم عشقي لبراءتهم إلا أنني أكاد أختنق من ضجيج الأطفال على العموم ..
اندمجت في قراءة كتابي وفجأة انتبهت على صوت صراخ وعراك وكأن الحرب العالمية الثالثة قد قامت بينهما ، الطفلتان كانتا يمسكان في خناق بعضهما البعض على لعبة صغيرة ودار بينهما قتال شديد مما جعلني أتدخل لفض النزاع وقد نالني من جراء ذلك "كام ضربة على كام جزمة صغيرة " من تلك الأسلحة التي كانت تستخدم في المعركة بين الصغيرتين وبعد محاولات مضنية لفض الاشتباك بينهما نجحت أخيرا في فصل القوات بينهما وكل واحدة منهما تتوعد الأخرى بأنها لن تعاود اللعب معها مرة أخرى وألا تقترب من لعبتها مرة أخرى باستخدام تصريح رسمي نصه "مس هلعب معاتي تاني عسان إنتي وحسة" مع استخدام دلدلة الشفاة السفلى كتعبير عن الغضب أو ربما الحزن أو بالبلد "صعبان عليها" ... المهم تصورت انا بذلك أن العلاقات بينهما قد قطعت تماما ولن يعودان للعب معا مرة أخرى
عدت لكتابي أستكمل القراءة فيه وبعد ربع الساعة لا أكثر انتبهت على صوت ضحكاتهما وبأنهما عاودا اللعب معا مرة أخرى فقلت "أنتم رجعتم تلعبوا تاني " ردت أخرى كانت معي في المكان قائلة "أوووووه صح النوم دول من بدري اصطلحوا من دقيقتها " .. قلت "أومال بس مس هلعب معاتي تاني وانتي وحسه" ضحكت وقالت "عيال"
سرحت بخيالي ورددت "عيال .. صحيح عيال" والتفت ناحيتهما أراقبهما وهما يعاودان اللعب في هدوء والبسمة الصافية تكسو محياهما الصغير البرئ .. رأيتهما وقد كادت واحدة منهما أن تقع وهي تلعب والثانية تمد يدها الصغيرة لتسندها فيقعان معا ويضحكان وكل واحدة تزيل الغبار من على وجه وملابس الثانية ... ياااااه أي صفاء نفس هذا وسألت نفسي ... كيف بعد كل هذا القتال يصلان لكل هذا التصافي ودون استغراق الكثير من الوقت ولم أجد سوى إجابة وحيدة ...
أن كل شيء بينهما واضح وبرئ .. حينما غضبا من بعضهما البعض غضبا في عنف وأفرغت كل واحدة غضبها ولم يتبقى في قلبيهما شيء فلما عادا .. عادا وقلب كل واحدة منهما ناصع البياض تجاه أختها أو صديقتها أيا ما كانت
حينما نتعامل بوضوح ودون ترك رواسب داخلنا فالشوائب التي تحاول أن تعلق سرعان ما تصفى سريعا سريعا ... ولكننا مع الأسف أننا نرسب بداخلنا ناحية بعضنا البعض أشياء بحجة "نتكلم فيها فيما بعد مش وقته" وتكون النتيجة أن تصبح الترسبات تلك كالسوسة التي تنخر في جذر العلاقة ويقتلعها اقتلاعا
ليتنا أطفالا ... ليتنا نمتلك قلوب الأطفال