"نزل السرور" وتفكيك الأنوميا
إسقاطات على الواقع السوري
"الأنوميا ليست حرية، بل فقدان الاتجاه؛ إنها حرية بلا بوصلة"
إريك فروم
على مسرح الرحابنة، رصد الراحل زياد ومن خلال نزل السرور اللحظة، التي يكبر فيها الشرخ بين الفرد والوطن، إثر غياب الشفافية بين الممارسات الفعلية للسلطة وبين القيم الظاهرية مما زاد حدة الشعور باللا انتماء وسط تنامي حالات التهميش والاضطهاد الفكري والنفسي والاجتماعي..
وبأسلوب عبثي وجودي ساخر سلط الرحباني بالتعاون مع جوزيف صقر الضوء على هشاشة الروابط الاجتماعية، والصراع الوجودي للفرد العربي بين ما يعيش وما يحلم.. وما نتج عن ذلك من فوضى داخلية نفسية إذ يعيش الإنسان العربي في فراغ مادي ومعنوي وأخلاقي.
هذا الانهيار الصامت في القيم والمعايير الذي مثله نزل السرور، يطرح التساؤل الوجودي الأبرز لماذا نعيش؟ ولأجل من؟
اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على عرض المسرحية، ومن خلال هذا الخراب، يمكن للواقع السوري أن يقرأ نفسه في مرآة «نزل السرور»؛ فالفقد هو ذاته، والأنوميا هي اللغة الجديدة التي تصف الحالة السورية أمام انهيار القيم الكبرى لصالح النزعات الفردية والدوغمائيات المعادية للإنسان..
تراجيديا التعتير
تراجيديا “التعتير” هذا المصطلح الذي أطلقه " رؤوف" أحد أبطال المسرحية، حيث يعيش النزلاء على هامش المدينة ويقتاتون الفتات، هو ما يمكن رصده كحالة إسقاطية، على الشوارع الخلفية لسوريا حيث يعيش ملايين الناس على هامش الزمن والحياة.
فحين يُختزل الحلم في رغيفٍ أو معبر للنجاة، يصبح المجتمع في قلب الأنوميا التي تحدّث عنها دوركايم ووصفها بأنها حالة تفكك لا تحكمها قيمٌ ولا غايات.
في الأنوميا، كما يشرح دوركايم، يذوب الرابط الجمعي ويحلّ مكانه منطق البقاء الشخصي.. هذا ما حدث في نهاية المسرحية، حيث تخلت الشخصيات عن مشروع الثورة هاربة صوب خلاصها الفردي وهذا تماماً ما يحدث في سوريا اليوم، حين بيعت الأسس الثورية لصالح الهيمنة المركزية بلونها الدوغمائي الواحد. وتحوّل الحلم السوري بالحرية والعدالة والمساواة إلى بازارات تفاوض، فوجد السوري الأعزل نفسه في مواجهة فردية مع مصيره.
فالمهتم بالشأن السوري اليوم يواجه السؤال اليومي:
كيف سينهض الفرد السوري وسط نظامٍ فقد كل معيار؟
الثورة المؤجلة:
لاتنتهي الثورات بسقوط نظام سياسي، أو تغيير هوية الحاكم، الثورات لا تنتهي أبداً إنما تموت لحظة نفقد فيها الثقة والأمان والتعايش الأهلي.
من هنا تبدأ كلّ حربٍ، وتموت كل ثورةٍ.
واليوم
وفي ظل غياب قيم العدالة والمساواة والمدنية، يعيش السوري حالة تفكك داخلي تشبه ما وصفه دوركايم بعد الحروب الأوروبية: “بالموت البطيء للضمير الجمعي”.
وفي قلب هذا الاضطراب، يفقد الناس إحساسهم بما هو طبيعي أو أخلاقي لنكون أمام الأنوميا السورية ضمن مجتمع مشتت ومغيّب وتائه.. يريد أن يعيش لكنه لا يعرف كيف، ومتى فيبحث أفراده عن نجاتهم الفردية لأنهم باتوا قاب قوسين من فقدان الإيمان بوطن يحتوينا بكل تناقضاتنا، يقبلنا بكل توجهاتنا، يحبنا وننتمي إليه، إلا أن الوطن – سوريا اليوم لا يعدو كونه نزل لكنه خالٍ هذه المرة من السرور.








































