حرب ضروس واغتيالات بالجملة
سنة عصيبة مرت على فلسطين الحبيبة، ذاق فيها الشعب الفلسطيني الجسور بمختلف طوائفه وانتماءاته شتى صنوف الويلات تحت أنظار العالم أجمع.
تباينت ردود الأفعال في أرجاء المعمورة بطريقة ملفتة للنظر، فاندلعت الاحتجاجات ونُظمت الوقفات، وانتشرت المسيرات المنددة بالإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في كل بلدان العالم.. إلا البلدان العربية ترزح تحت نير الصمت المكلل بالعار.
سُويت غزة الأبية بالأرض، دُمرت المستشفيات والمدارس حتى المباني التابعة لمنظمات العمل الدولى لم تسلم من بطش الملاعين.
طحنت جموع الشعب بين مطرقة القصف المستمر الغاشم بحرًا وبرًا وجوًا وبين سندان الجوع والمرض والتخاذل والجبن العربي المقيت.
آلاف الشهداء والجرحى من المدنيين العُزل، الصحفيين الذين يحاولون نقل مأساة هذا الشعب العظيم، حتى منظمات العمل الدولي لم تسلم من مقصلة الإبادة "الصهيوأمريكية" بمباركة حكومات العالم المُدعية التحضر والداعية لسلام أعور عقيم.
ويزداد المحتل تجبرًا وطغيانًا ليستهدف كل من تعالى صوته من رجالات فلسطين الحرة -رغم أنوفهم جميعًا-
لتبدأ سلسلة من الاغتيالات لكل من تطاله أيديهم من رجال المقاومة في فلسطين وخارجها، ليكون بداية ارتقاء العظيم إسماعيل هنية.
وتأتي من بعده حادثة تفجير أجهزة الاستدعاء في لبنان الحبيبة لتطال الكثير من كوادر المقاومة بحزب الله، ثم استشهاد السيد حسن نصر الله وبعض قيادات حزبه، ليزداد سوء الوضع في المنطقة العربية ، وتتسع رقعة الحرب بين اليهود إسمًا وأمريكا وحلفائها فعلًا وبين كل حركات المقاومة في بلدان الوطن العربي المحتلة.
لكن.. هل نجح الاحتلال الغاشم في تحقيق أهدافه؟
لا وألف لا.. فكلما زاد عدد الشهداء زاد بأس المقاومة الأبية، وسقط القناع عن كل مجرم حرب يشارك في هذه الجريمة التي لن يغفل عنها التاريخ أبدًا.
استهدف الاحتلال القيادات محاولًا تشتيت الجمع وفض السامر من حولهم، لكن هيهات.. فالمقاومة روح باقية طالما بقي الإسلام شريعة، وبقي القرآن منهاجًا يُتلى ويحفظ في القلوب، وبقيت الكرامة ليُدافع عنها بالمال والروح والولد.
اغتيل هنية تحت أنظار العالم.. ليصدح صوت الملثم الأيقونة في أنحاء العالم " إنه لجهاد.. نصر أو استشهاد"، إذًا فالقضية باقية حتى مع رحيل الزعماء، القضية باقية حتى الفوز بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، القضية باقية ما بقيت الأرض وترابها المختلط بالدم والتضحيات.
رحل هنية ليحمل من بعده "السنوار" الراية، ويلقي الرعب في قلوب الجبناء بشجاعته الفريدة، نظراته المتحدية، وهذا الدهاء العسكري الذي شهد به العدو قبل الصديق.
يحيى السنوار في سطور
يحيى السنوار " أبو إبراهيم" المجاهد البطل.. الأسير الحُر.. المحارب بسلاحه وقلمه.. خلطة بشرية نادرة الوجود حقًا.
تنقل في كل مراحل حياته بين الصعاب، بداية من مخيمات الإيواء في خان يونس حيث ولد وعاش طفلًا، إلى سجون العدو شابًا مُحاصرةً أحلامه، ليعيش بين براثن الصهاينة يتعلم لغتهم ويدرس أحوالهم ويتعمق في شخصياتهم ليكون رؤية واقعية تساعده في التصدي لهم.
حاول أن يكون عين العالم على ما يحدث في السجون الصهيونية، فيبدع في كتابه "الشوك والقرنفل" لتخرج لنا تجربته والآلاف غيره من أسرى الاحتلال، ويكون عمله الأدبي الوحيد وليد قلب وفكر مقاتل باسل مثله.
وجاء عام 2011 ليكون الخروج من السجن في عملية تبادل للأسرى، والعودة للصفوف بين المجاهدين، وتمر به العقود خادمًا قضيته بكل السُبل، قاذفًا بالرعب في قلوب أعدائه حتى أصبح على رأس قائمة المطلوبين منهم، يسعى للشهادة ويطلبها من الله في كل حين، حتى يحين اللقاء وتتحقق الأمنية في 16 من أكتوبر لعام 2024.
لتُخلد أسطورة السنوار بالصوت والصورة بيد أعداء عمره، أكثر من ستين عامًا قضاها يحيى بين صفوف إخوانه من المجاهدين، حتى أصبح أعظم شوكه غُرست في قلوب أعدائه من العرب والعجم على حد سواء.
وهنا ظهرت المسافة بين عصا السنوار وما دونها
انتشر على مواقع التواصل فيديو ينقل اللحظات الأخيرة من حياة المجاهد الشهيد -بإذن الله- مثخنًا بجراحه، مقبلًا غير مدبر، أسدًا جسورًا في ذيه العسكري، مدافعًا عن أرضه ومعتقداته ودينه وقدسه، لا يحمل من متاع الدنيا مع سلاحه إلا مسبحته وكتيب أذكاره وحبيبات من الحلوى.
رجل في 61 من عمره بصحبه اثنين من إخوانه، يقف مقاتلًا ببسالة جنود الاحتلال فيعجزهم، ليطلبوا دعمًا من طائرات الدرون والدبابات لقتال ثلاثة من المقاومة..
رجل في الستين يضع اللثام على وجهه ويقاتل لآخر أنفاسه، يصاب كل شبر في جسده الهزيل ككل إخوانه جراء الحصار والقتال، يصاب في يديه وقدمه، يحتمي ببعض من ركام وطنه، تتبعه الدرون فيستجمع ما بقى في جسده من قوة ليقذفها بعصاه علها تصيبها.
هذه هي "عصا السنوار" التي ستُخلد في التاريخ رمزًا للصمود حتى النفس الأخير، هذه هي عصاه التي هش بها على آخر أحلامه ليحقق حرية وطنه لينال بعدها حلمه في الشهادة تحت ركام هذا الوطن الذي دكته صواريخ الدبابة ليختلط بدمه وبعض من جسده الذي اخترقته الشظايا.
ردود الأفعال بعد انتشار خبر استشهاد السنوار
هنا تظهر المعادن التي كشفتها الأقدار رغمًا عن أنف الجميع، لقد جاء استشهاد السنوار اختبارًا مباغتًا كشف عن سوءات الجميع، خاصة هؤلاء الذين اتخذوا من الاختلافات العقائدية ذريعة للشماتة في استشهاد نصر الله.
يتجسد الحزن جليًا على وجوه وقلوب أصحاب الكرامة والشرف والعقيدة وتسقط عباءة النفاق عن كل مدلس متواطيء جبان يفرح بارتقاء العظماء؛ عله يشعر بقيمةٍ ما لنفسه الرخيصة التي حتمًا سيكون مآلها إلى مزابل التاريخ.
تباينت ردود الأفعال في كل مكان، ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بها، فكان الحزن هو المسيطر على الغالبية العظمى ممن أدهشتهم شجاعة السنوار، وكشفت عن كذب وخداع من إدعوا أنه يختبيء في الأنفاق تحت حراسه قواته.
وعلى النقيض.. نجد بين المتخاذلين من يبتكر طرقًا غير متوقعة لإلهاء العالم عن فاجعته بارتقاء الشهيد، فتري الاحتفالات وقد انتشرت أخبارها، وهذه بعض القنوات يتصدر مشهدها شيوخ العار مهاجمين الشهيد محاولين النيل من سيرته وتشويه تاريخه.
في أقصى بلاد العالم ارتفعت صور البسالة متجسدةً في "السنوار وعصاه" وفي بلادنا العجيبة تنتشر صور الحفلات التي يحضرها الآلاف من المغيبين مطموسي الهوية ساكني مجرة الهوان.
لكن الأكثر عجبًا وهوانًا هي الضجة التي افتعلها عبيد المال من "الأرجوزات" حول الكلب متسلق الهرم، وياله من إنجاز عظيم في وطن يهمش فيه العلماء والمبتكرين ليهجروا إهمالًا وتعنتًا هاربين بعلمهم لمن يقدره، في حين تحتفي " قنوات الهلس" بكلب بلدي أصبح فخرهم ومحط أنظارهم لأنه صعد إلى قمة الهرم.
فهل لكم أن تتخيلوا المسافة بين عصا السنوار.. والكلب متسلق الهرم!!








































