دقت الساعة تعلن أن الليل قد انتصف منذ ساعتين وأوشك على الرحيل، فتح الباب بصخبه المعتاد، الهدوء يعم المكان، كل شيء مرتب وفي مكانه، حتى هي .. ترقد وعلى وجهها ترتسم علامات غضب مستمر، لم يسألها يوما عن سر ذلك الغضب الذي لا يفارق سحنتها، غرس سبابته في كتفها الأيسر فانتبهت
_حضري العشاء!
قالها بجفاء وراح يبدل ملابسه، قاومت النوم وجذبت نفسها عنوة من حضن الفراش، بحركات واهنة أعدت الطعام، قد تكون حسنته الوحيدة أنه يرضى بما تقدمه له بلا ضجر، جلست على الكرسي المقابل له مثل كل ليلة، ثلاثون عاما مضت لم يتخل عن عادته القميئة، ولم تتخل هي عن غضبها الصامت، مرور الزمن أبطأ من حركته في التهام الطعام، كانت في كل مرة تتمنى لو أنه أكل حيث كان لكنه لم يفعل، لعله تعمّد ذلك حتى لا تنعم براحتها المنشودة، صخب الأبناء وشئون البيت إلى جانب عملها الخارجي كل ذلك كان يستنزفها، وهو ينعم بهدوء لا تعلم سببه، يعود من عمله فينام لحين انتهاءها من إعداد الطعام، ثم يخرج للقاء أصحابه، يعود مع اقتراب الفجر يجدها نائمة، يقول مؤنبا:
_ لو كان النوم تجارة لصرنا من الأثرياء!
تغيظها كلماته، ترمقه بنظرة غاضبة ولا تتفوه بكلمة، خمسة من الأبناء لم يبذل لأي منهم جهدا إلا ساعة الإنبات، ثلاثون عاما لا يمل من تكرار تلك العبارة، رغم انحناء ظهره وتهدل أجفانه يعيب عليها شيخوختها المبكرة، الصمت هو المتكلم الوحيد بينهما، يهزأ منها في صمت وتغضب منه في صمت، ينام على كرسيه قبل أن ينتهي من طعامه، لم تأخذه هذه المرة إلى الفراش كما اعتادت كل ليلة، جلست تنظر إلى وجهه جامد الملامح، ورغم جموده يحمل دائما ابتسامة ساخره، يتهمها بالتقصير في شئونه، وأن عبوسها يقصّر العمر، تتساءل في صمت
_ ماذا بعد ستين عام؟
تراودها أفكار ملعونة، هل ما زال في عمره بقية؟ ماذا لو قصّرته حقا؟ تعجبها الفكرة
قامت متباطئة، تفحصت عيناه المسبلتان، مرت بجواره بخطى وئيدة عابرة باب غرفتها المظلمة، وفي ركن أعدته مسبقا، رفعت يديها .. وشرعت في الصلاة!!








































