اليوم التالي وبالمشفى التخصصي؛ حيث تواجد (مازن) بصحبة الطبيب، كانت (شذى) ووالدتها تقومان بعمل تحاليل الدم، وبعض الأشعات التي حددها الطبيب المختص، بينما (مازن) يتابع كل
الخطوات باهتمام بالغ ينم عن خوفه وقلقه، وما إن تم أخذ جميع
العينات والقيام بقياس وظائف جسدها الحيوية، وعمل الأشعة
المقطعية وأشعة الرنين، وكل ما يساعد على كشف حالتها الصحية
حتى عادت (شذى) ووالدتها بنفس السيارة، بعد أن توجهت والدة
(شذى) له بالشكر على وقوفه بجانبهن، بعد أن أصرت وألحت
على دفع كافة المصاريف، رغم محاولة الطبيب صديق (مازن)
الامتناع عن أخذ المقابل، ولكنها أبت وأصرت على موقفها شاكرة
لهم جهدهما وصنيعهما، قبل أن تسأل الطبيب عن الموعد المحدد
لخروج النتائج، ليخبرها الطبيب أن بعض التحاليل ستستغرق عدة
أيام، وأنه سيتابع الأمر ويخبرهن من خلال (مازن)، لتشكره مرة أخرى، ومن ثم تغادر بصحبة (شذى) وهي تدعو الله أن تكون العواقب سليمة..
بعد عدة أيام يتلقى (مازن) اتصالًا من الطبيب يخبره فيه
بخروج نتائج الأشعات والتحاليل وأنه ينتظره بأقرب وقت ليطلعه
على التفاصيل.
ما إن وصل (مازن) للمشفى حتى التقى الطبيب بردهة المشفى، ليستوقفه قائلًا بلهفة بعد أن ألقى عليه التحية: إن شاء الله تكون
الأمور مطمئنة يا دكتور..
ثوان ٍ من الصمت مرت ثقيلة عليهما، وقد بدا على ملامح الطبيب وقسمات وجهه الشعور بالحزن، مما جعل (مازن) يشعر بالقلق وهو يقول بتردد: هل هناك ما يقلق؟ ليستطرد قائلًا: من فضلك أخبرني
هل هي بخير؟
تنهد الطبيب بأسى، وهو يحاول جاهدًا أن يخفف من الأمر، وهو يقول بصوت خفيض: أنت تعمل في القطاع الطبي وتعلم جيدًا أنه
لا يوجد مستحيل، كما إن العلم يتقدم، وهناك طفرة كبيرة، بل قفزات مهولة في عالم الطب و....
لم يمهله (مازن) ليكمل عبارته وهو يقول: حديثك هذا يقلقني أكثر، ليتك تجنبني هذه المقدمة الطويلة وتخبرني مم َّ تشكو
(شذى)!
الطبيب متحاشيًا النظر بعينيه، وهو يقول: إنه سرطان بالدم يا صديقي (لوكيميا)، وللأسف فإن المرض بمرحلته الرابعة.
(مازن) وقد أخفى رأسه وعينيه خلف يديه، مرددًا بحزن: هل يعقل هذا؟! إنها بمقتبل العمر، إنها مثل زهرة برية لم تتفتح أوراقها
بعد، فهل ستذوي هكذا فجأة؟! هل يحل الخريف ويزحف ليقتل
الربيع قبل أوانه؟
الطبيب محاولًا تهدئته: لا تنسى يا (مازن) أنها إرادة الله، كما أنه قادر على كل شيء فلا تيأس وتماسك، فهي بحاجة لك خاصة بالفترة القادمة..
نظر (مازن) نحوه متسائلًا: ما مدى خطورة حالتها؟
الطبيب بعد أن عدل من هيئته، ليقول وكأنه يلقي بمحاضرة
علمية: لا أخفيك سرًا يا (مازن)، فوضعها خطير، فهناك سوء
تكوين لخلايا الدم بجسدها..
(مازن) بخوف: وماذا يعني ذلك؟
الطبيب: يعني هذا أن خلايا الدم تموت في نخاع العظام، أو بعد دخولها مجرى الدم..
(مازن) بحزن: حتى الآن لا أفهم ذلك ومدى خطورته!!
الطبيب: سأخبرك يا (مازن)، ولا شك لدي أن خصوصية الحالة وقربها منك، هو سبب تشتت أفكارك.. أردف قائلًا بأسى: موت
خلايا الدم يؤدي لتكاثر الخلايا غير الناضجة والمعيبة، بدلًا من الخلايا السليمة..
(مازن) بتوسل: ولكن هل هناك أمل؟ هل هناك علاج لمثل هذه الحالات؟
الطبيب: نعم يا (مازن)، فالأمل لا ينقطع أبدًا، وفي مثل حالة (شذى) يتم استزراع الخلايا الجذعية الوسيطة لمساعدة الخلايا السليمة، لتكوين خلايا الدم الحمراء والبيضاء، وكذلك صفائح
الدم، كما أنه قد تم ابتكار طريقة لمساعدة خلايا الدم على التجدد
وبشكل أسرع، وتتضمن هذه الطريقة تحفيز الخلايا الجذعية
الميزنكيمية المتعلقة (MSCs) أحد أنواع الخلايا الجذعية الوسيطة على إفراز عوامل نمو تساعد الخلايا الجذعية المكونة
للدم على التمايز والتحول لخلايا دم ناضجة..
(مازن): وقد لاح له الأمل، ومتى يمكننا البدء بالعلاج؟
الطبيب وهو يتنهد قائلًا: للأسف هذه العمليات لا تتم هنا،
إنما بالخارج وببعض المستشفيات الخاصة يتم ذلك بعد عرض كل
التقارير الخاصة بالحالة والأشعات والتحاليل، للتأكد من نوع المرض، وهل هو من فصيلة اللوكيميا أو الليمفوما أو المايلوما، وبعد قبول الحالة والموافقة على البدء بإجراء العملية يتم استخراج فيزا علاجية، للحصول على تأشيرة السفر، وهذا للأسف
يستغرق بعض الوقت. ليستطرد قائلًا: ولكن في أثناء ذلك، ستخضع
المريضة للعلاج الكيميائي والإشعاعي لتخليص الجسد من الخلايا
السرطانية..
(مازن): ولكن هل يجدي ذلك نفعًا؟ وإن كان كذلك، لماذا لا يتم العلاج هنا بدلًا من السفر؟
ليجيبه الطبيب بغصة في حلقه: لأنه وفي أثناء قتل الخلايا السرطانية الخبيثة، يقوم أيضًا بقتل الخلايا السليمة..
يستأذن (مازن) بالانصراف، بعد أن شكر الطبيب على جهده معه على موعد بالاتصال وتحديد الموعد للبدء بالعلاج…
يعود (مازن) إلى منزله يحمل بين يديه مظروفًا منتفخًا من
الأوراق، وبين جنباته قلب يكاد يبكي ويتمزق ألمًا ووجعًا، وما إن
رأته والدته ولمحت الحزن البادي على ملامحه حتى انقبض قلبها،
وهي تسأله بخوف وحذر: ما بك يا بني؟ لماذا هذا الحزن البادي
على وجهك؟ ولم َ هذا الشحوب الذي يعتريك.. لتستطرد قائلة: لم أراك بهذه الحالة منذ موت والدك رحمه الله.
هنا لم يتمالك (مازن) نفسه، ليلقي بنفسه بين ذراعيها وبحضنها
تاركًا العنان لدموعه لتنهمر بغزارة وبلا توقف.
ظلت تربت على كتفيه وهي تحتضنه لتنساب دموعها على
وجنتيها، بعد أن أدركت أن الأمر جد خطير، وأنه قد تجاوز الحزن
والألم بقلبه وروحه وأنه فوق طاقته واحتماله.
أخذت تمسح على رأسه بحنو وهي تردد بعض الآيات القرآنية، وهي تقول بحب: اهدأ يا بني وأخبرني لم َ كل هذا الحزن والوجع؟
(مازن) وبصوت متهدج وبنبرة يسكنها العجز والألم: إنها
(شذى) يا أمي! تلك الملاك الرقيق.
الأم وقد ظنت أن الأمر يتعلق بمشاعره نحوها لتقول متسائلة: ما
بها يا بني؟ هل عرضت عليها مشاعرك مرة أخرى ورفضت؟ أم أن
والدتها هي من رفضت؟
(مازن) بأسى: ليت الأمر كذلك يا أمي، بل ليتها تزوجت
وسافرت وعاشت بسعادة، حتى وإن كان ذلك مع غيري يا أمي.
الأم بحيرة وقلق: إذا أخبرني يا بني لم َ كل هذا الحزن؟ هل هناك شيء لا أعرفه؟
(مازن) وهو يرفع بصره نحو السماء وكأنه يرسل بتوسلاته لله:
لقد أظهرت تحاليل الدم الخاصة بـ (شذى) أنها مصابة بالسرطان،
والأدهى من ذلك أنه بالمرحلة الرابعة.
الأم وهي تستعيذ بالله وتحوقل: وماذا يعني ذلك يا بني، أهو أمر
خطير لهذه الدرجة؟ ألا يوجد له علاج أو دواء؟
(مازن) بكل الألم والوجع الذي تختزله الكلمة: إنها تحتضر..
معنى ذلك أنها تحتضر يا أمي.
قال ذلك لتنهمر دموعه قبل أن يدخل بنوبة من البكاء، وقد تهدج
صوته وهو يشرح وضع (شذى) الصحي لوالدته، قائلًا: وضعها
يا أمي صعب للغاية، ولا يمكن أن تتحسن هنا، ويجب أن تسافر
للخارج بأسرع وقت ممكن للعلاج، فالورم ينتشر ويتوغل بجسدها
بلا توقف أو رحمة، وما هي إلا عدة شهور حتى يتفاقم الأمر وتصعب
السيطرة عليه..
صمتت أمه للحظات لا تدري بماذا ترد عليه، ثم قالت بثقة
ويقين: لا تفقد ثقتك بالله يا بني! فالله لا يعجزه شيء في الأرض
ولا في السماء، وهو من خلق الداء وجعل له الدواء والشفاء، فلا
تيأس ولا تقنط من رحمة الله..
أمّن (مازن) على قولها بقوله: سبحان من وسعت رحمته كل شيء.. ونعم بالله، قبل أن يطلب منها أن تحدد له موعدًا ليلتقي
بالأم محاولًا قدر الإمكان تهيئتها لهذا النبأ المؤلم وتخفيفه عليها. على أن يلتقي بالسيدة (نسرين) والدة (شذى) منفردة وبدون علم (شذى) ليخبرها بوضع شذى وليخبرها بأن العلاج ممكن
l
وأنه لا شيء يقف بوجه الطب الحديث، وأن الله قادر برحمته أن يشفيها لتعود أفضل من ذي قبل، كان يخبرها بحالتها الصحية وهو يتحدث عن مدى تقدم العلم وكيفية تطور الأبحاث، حاول (مازن) قدر جهده تخفيف وقع الصدمة على والدة شذى، كان يتحدث والعبرات تجعل
صوته يبدو مختنقًا من أثر الحشرجة الناتجة عن تأثره، مما جعل
(نسرين) تقف عاجزة عن إبداء أي رد فعل، وقد أدركت خطورة الأمر وأن هذه المقدمة الطويلة لا شك سيتبعها أمر جلل لتنساب دموعها من عينيها، وهي تتوجه إلى السماء بنظرها قائلة: اللهم
الطف بنا فيما جرت به المقادير.
شرح (مازن) لها طبيعة المرض بإيجاز، محاولًا قدر الإمكان التهوين من الأمر خاصة مع سرعة البدء في العلاج وضرورة السفر للخارج لاستكماله..
جاهدت (نسرين) كثيرًا لتتمالك أعصابها وهي تقول باستسلام وخضوع: اللهم خذ منا حتى ترضى، وإذا رضيت وبعد الرضى...
(مازن) مؤمّنًا على كلامها، وبخجل محاولًا استعادة رباطة جأشه، وهو يقول: أعلم أن الوقت ليس مناسبًا لما سأقوله، ولكني
قد علمت من أمي ما حدث لـ (باسل)، وأنا ما زلت متمسكًا برغبتي بالارتباط بـ (شذى)، ومنتهى أملي أن تكون لي، وهذا بالطبع بعد
موافقة (شذى) وموافقتك وموافقة أبيها والأهل.
(نسرين) وهي تطالع وجهه بود: لولا أن والدتك قد طلبت ذلك من قبل لظننت أن عرضك هذا شفقة منك، ولكن يا بني –وهذه
نصيحتي لك– تريث ْ ولا تتسرع، وعليك أن تعيد التفكير بذلك بعد
أن علمت بوضع ابنتي الصحي.
(مازن) بحب وبخجل: وماذا لو أخبرتك أنني ما تمنيت شيئًا بحياتي، وما دعوت الله صادقًا مثلما دعوته أن تكون (شذى) لي،
فهل تصدقيني؟
(نسرين) وبعد تنهيدة طويلة: الآن أصبحت في حل من أمري يا بني، وسأخبرك بأمر ما كنت لأخبرك به أبدًا، ولكن وبعد ما
حدث واستشهاد (باسل)، فلم يعد الأمر كما كان. أردفت قائلة:
اعلم يا بني أن زواج (شذى) من ابن عمها ليس برغبتها، إنما هي
رغبة العائلة ووالدها وعمها، ولكن –وكما تعلم– كان للقدر كلمة أخرى يا بني، ودائمًا ما تكون كلمة القدر هي النافذة، ولا نملك إلا التسليم بأقدارنا..
(مازن): نعم هو كذلك، وقدر الله وما شاء فعل.
تردد للحظات قبل أن يقول بخجل: ولكن هل تظنين أنها تبادلني نفس الشعور؟
(نسرين) وهي تنظر إليه بحب: أنا أم، والأم تقرأ نظرات
أبنائها ومشاعرهم، خاصة (شذى) فهي بالنسبة إلي ّ كتاب مفتوح،
وأستطيع معرفة ما يدور بخلدها وقلبها، دون حتى أن تبوح به.
قالت هذا لتقول بعد ذلك بجدية: ولكن لن يحدث أي ارتباط أو تقارب حتى يأتي أبوها أولًا، أو نطمئن عليه، وحتى تنتهي فترة العدة الشرعية، فهذا وكما تعلم واجب شرعي.
(مازن) وعلى استحياء: ولكنه زواج صوري، ولم يحدث بالواقع، فكيف تكون عليها عدة؟
(نسرين) بثقة من يمتلك المعلومة: هذا لو كان طلقها يا بني، ولكن بالموت تصبح عليها عدة، هكذا يقول الشرع.
(مازن) بخجل: كل ما أريده أن نعجل بالزواج، حتى نسافر للخارج ونبدأ العلاج بأقصى سرعة، حتى لا يؤثر تأخير العلاج
عليها وعلى صحتها، ولكن لا بأس نبدأ العلاج هنا، ونستكمله بالخارج إن شاء الله، بعد الاطمئنان عليها وعلى والدها لك هذا!
أردف قائلًا وهو ينظر إلى الفراغ بشرود: سبحان الله، فمنذ أيام تمنيت لو أنها بخير، وأن تنعم بالسعادة مع من اقترنت به، وقد
ظننت وقتها أن (شذى) أصبحت أمنية مستحيلة، وأنها أبدًا لن
تكون لي... ولكنه القدر.
يتبع








































