بعد ثلاثة أشهر من حديث (مازن) و(سمر)، وبعد فسخ
خطبتهما بشكل رسمي، وبعد أن هدأت غضبة والدته بعد شرحه لها أنه لا مجاملة بالمشاعر، وذات يوم وبلحظة صفاء، وجه (مازن)
حديثه إلى أمه وهو يقول ممازحًا: أما زلت غاضبة مني حتى الآن يا أمي، رغم مرور كل هذا الوقت؟ حتى بعد زواج (سمر) وسفرها مع
زوجها (عادل) إلى الإمارات!
الأم وهي تشيح بوجهها بعيدًا متصنعة الغضب: تعلم جيدًا أنها تزوجت (عادل) مرغمة لتبتعد عنك، وأنها انسحبت بكرامتها بعد
أن أخبرتها بأنها مثل أختك وأنها لا تصلح زوجة لك.
(مازن): صدقيني يا أمي، (سمر) فتاة رائعة ولا تستحق أن أظلمها معي، ولو جاملتك وخالتي بهذا الأمر لكانت هي من ستدفع
الثمن، وكانت ستصبح أكثر المتضررين جراء ذلك.. استطردت يقول:
صدقيني يا أمي، هذا لمصلحة الجميع ولمصلحة (سمر) أولًا.
الأم: لا تنس َ أنك جرحت مشاعرها وكبرياء الأنثى لا يحتمل ذلك، خاصة إن صدر ممن تحب ولا تنس َ خالتك، والتي كانت
تعتبرك مثل ابنها وأكثر، فأنت لم تراع ِ مشاعرها وحزنها على ابنتها وغضبها منك ومني.
(مازن): تعلمين أكثر مني أن خالتي طيبة، وهي تحبك، ولا تستغني عنك وأنا على ثقة أنها ستصفو لنا من جديد خاصة، عندما
تتأكد أن (سمر) سعيدة بحياتها الجديدة.
تلعثم بالكلام، وقد أطرق خجلًا وهو يقول بتردد: ألم تخبريني مرارًا برغبتك أن تفرحي بي أم أن فرحتك بي كانت مرتبطة بسمر فقط دون سواها؟
الأم وهي تنظر بعينيه مباشرة: الفتاة السورية أليس كذلك؟
(مازن) وهو يأخذ نفسًا عميقًا: نعم يا أمي، فهي وحدها من نبض قلبي بحبها، ولا أجد نفسي إلا معها هي دون غيرها.
أردف يقول بحب: إنها رقيقة، بل هي مثل الملاك، ومنذ
حضرن وأصبحن بيننا والجميع يشيد بأخلاقهن وتدينهن.
الأم: إذًا، فقد صدقت ظنون (سمر)، ورغم شكي بالأمر إلا أنني ظننت (سمر) تتوهم ذلك، لتنظر نحوه مباشرة وهي تقول وكأنها
تذكرت أمرًا ما: ولكن أخبرني، ما أدراك أنها تبادلك نفس المشاعر؟
هل حدثتها عن رغبتك بالارتباط بها؟ أو فاتحتها بهذا الأمر؟ أم أنك صرحت لها بحبك وبحت لها بمشاعرك؟
(مازن): أقسم لك يا أمي أن هذا لم يحدث، فـ (شذى) لا
ترفع عينيها عن الأرض، بل هي تمتاز بخجل لم أره بأي فتاة من قبل، حتى إنني لا أراها إلا عندما تذهب إلى ذلك الملجأ القريب
للجلوس مع الأطفال هناك.
الأم بتساؤل: تراها مصادفة أم أنك تراقبها؟
(مازن): وهل ربيتني على ذلك يا أمي! يشهد الله أنني أخاف عليها أكثر من نفسي، ولكنني أخشى أن تتعرض للمضايقة وهي غريبة بيننا... تبع عبارته بقوله: ولكن لم تخبريني ما رأيك بها وبوالدتها؟
الأم: الحقيقة يا بني ويشهد الله أنهم جميعًا مثلما تقول وأكثر، حتى والدتها تتمتع بالطيبة وعزة النفس، ولولا تلك الظروف والحروب التي أنهكت بلادهن ما تعرضن للسفر والتهجير.
(مازن): هل أفهم من ذلك أنك موافقة وستذهبين للتحدث مع
أهلها بشأن خطبتي لها؟ الأم بابتسامة صافية: حسنًا يا بني! بالنهاية سيحدث ما تراه أنت وسعادتك هي كل ما يهمني وليقضي َ الله أمرًا كان مفعولًا.
l
بعد أسبوع من هذا الحديث.
وبردهة الشقة التي تقطن بها (شذى) مع والدتها وشقيقتها
الصغرى، والدة (مازن) تجلس معهن يتبادلن الحديث تارة،
والهموم تارة، لتقول والدة (مازن) موجهة حديثها لوالدة (شذى)
بود: أتمنى أن تكون إقامتكن مريحة هنا بيننا، وألا يكون هناك ما يزعجكن..
والدة (شذى) بنفس الود والترحاب وبابتسامة حانية: ونعم الأهل والجيران أنتم، فنحن حقًا لا نشعر بالغربة بينكم، وإن كان الحنين للوطن يستوطن بالروح والأحشاء.
والدة (مازن): قريبًا تزول الغمة ويأتي الفرج إن شاء الله... وما إن أنهت عبارتها حتى خرجت (شذى) لترحب بها بوجه بشوش
زادها جمالًا فوق جمال.
كانت (شذى) فتاة ببداية العقد الثالث من عمرها، ذات بشرة بيضاء متشبعة بالحمرة، رقيقة الملامح كغالبية أهل الشام، ذات عيون زرقاء، تشبه موج البحر أو زرقة السماء في صفائها، كما أن
طولها يتناسب مع وزنها، وإن كانت يغلب عليها النحافة.
ما إن رأتها والدة (مازن) حتى قالت بحب وود: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، مثل القمر ليلة تمامه... أتبعت عبارتها بنهوضها
لتحتضنها وتقبلها بجبهتها وسط ارتباك من (شذى) وخجلها، والتي
فوجئت بهذا التصرف، والذي لم تتوقعه من جارتهم.
بعد الضيافة والحديث والسمر فيما بينهن، تحدثت والدة (مازن)
بجدية وهي تقول: لقد جئت اليوم لأمر خير، سيجعلنا إن شاء الله أهلًا للأبد... لتستطرد قائلة بحماس: لقد أتيت لخطبة (شذى)
لابني (مازن)، إن لم يكن لديكن مانع... وبكل حماس وفخر
أخذت تعدد مميزات (مازن)، لتقول في حب: لقد أنهى (مازن) دراسته بكلية الصيدلة، ولله الحمد قد أسس صيدليته الخاصة، كما أنه الوريث الوحيد لوالده –رحمه الله– ولي بعد موتي... وما فتأت تعدد مزاياه وسط ذهول (شذى) ووالدتها ونظراتهما المشوبة بالقلق
والخجل فيما بينهما.
كانت (شذى) وكأنها بصراع داخلي قد احتدم بعقلها وروحها، فملامح وجهها أصبحت جامدة لا تنم أو تعبر عن الرفض أو القبول، وكأنها أصبحت على الحياد بأمر لا يتعلق بأحد غيرها أو سواها.
قاطعتها والدة (شذى) وهي تقول بارتباك وخجل قد غلب على نبرة صوتها ليعبر عن وقع هذه المفاجأة على عقلها: نحن بلا شك يشرفنا ذلك، ويسعدنا فأنتم أهل لذلك ولكن...
ساد الصمت للحظات، وقد توقفت لبرهة وهي تقول بخجل: لا أدري حقًا ماذا أقول؟ صمتت مرة أخرى قبل أن تقاطعها والدة (مازن) وهي تقول:
ولكن ماذا؟ هل هناك ما يمنع ذلك؟
والدة (شذى) وكأنها تلقي بقنبلة ناسفة بوجهها: للأسف يوجد هناك مانع، فابنتي (شذى) عُقِدَ َ قرانها على ابن عمها بسورية قبل
حضورنا إلى هنا، وابن عمها –والذي هو بحكم زوجها– سيأتي مع والدها بعد أيام عندما يتسنى لهم خروج آمن من على الحدود السورية، وسنغادر جميعنا إلى إحدى دول الجوار.
كانت المرأة تتحدث ووالدة (مازن) شاردة من هول المفاجأة، فلا تدري كيف ترد أو كيف تعتذر عن سوء الفهم الذي وقعت به، بينما وبطرف عينها لمحت (شذى) وبعينيها دمعات تغالب جاهدة حتى لا ينهمرن من عينيها، بينما تحدجها والدتها بنظرة ذات مغزى معين، غادرت (شذى) على إثرها الردهة، متجهة إلى غرفتها مباشرة
وهي تهرول مسرعة.
هنا لم تجد والدة (مازن) أي داع للحديث، لتنهض مستأذنة بالانصراف، بينما والدة (شذى) تردد في خجل بأنه القدر والنصيب، وهي تدعوها لتكرار الزيارة مرة أخرى، معتذرة عن عجزها لتلبية طلبها، شكرتها والدة (مازن) على ودها وهي تقول بنبرة حزينة: صدقت ِ ! فنحن أردنا أمرًا ظنناه خيرًا لنا ولكم ولكنه القدر.
يتبع








































