ـــــــــــــــــــ
كان (مازن) ينتظر والدته على أحرّ من الجمر، كان يتشوق
لرؤيتها مقبلة عليه بالبشرى التي ينتظرها ويدعو الله أن تتحقق.
وما إن سمع صوت أقدامها على درجات السلم، حتى قام بفتح الباب قبل أن تقرع الجرس، وما إن دخلت حتى استقبلها بابتسامة
رقيقة وهو يعاتبها على استحياء لتأخرها عليه ويحثها على إعطائه
البشرى...
كانت الأم بحيرة من أمرها، لا تدري كيف تخبره بالأمر، وكيف تُلقي على مسامعه ما عرفته للتو، حاولت جاهدة أن تتحاشى النظر
إلى عينيه، متعللة بأنها تريد التقاط بعض الأنفاس لتستريح قليلًا،
ولكن (مازن) –والذي أدرك من خلال نظراتها أن هناك أمرًا ما
تحاول والدته أن تخفيه عنه، وأن الأمور ليست على ما يرام– خيم
الوجوم على وجهه وهو يقول بقلق: هل رفضت والدتها؟
كانت هذه عبارته المقتضبة لأمه.
الأم وكأنها تلقي بعبء ثقيل عن كاهلها وهي تقول بصوت خافت: كل شيء قدر ونصيب يا بني.
(مازن) قاطبًا ما بين حاجبيه بتساؤل: هل هي من رفضت أم أنها
والدتها هي من رفضت؟ ولماذا؟
تبادر إلى ذهنه أمر ما فتح باب الأمل أمام وجهه، وهو يقول: ربما ينتظرون إخبار والدها وأهلها أليس كذلك يا أمي؟ أخبريني أليس كذلك؟
الأم بتردد وعجز، وكأن الكلمات تأبى الخروج من بين شفتيها، ولكنها وكمن أراد أن يلقي بحمل ثقيل من فوق كاهله، قالت بنبرة حاسمة: (شذى) متزوجة يا (مازن).
كان وكأنه وللوهلة الأولى لم يسمع ما قالته أمه، أو التبس الأمر عليه، فخرّ جالسًا على مقعد كان بالقرب منه، وهو يقول بضحكة
باهتة تختزل الكثير من الدهشة والألم: ماذا قلت ِ يا أمي! هل أعدت ِ على مسامعي ما أخبرتني به للتو.. ليقول بحزن: لا شك أنك تمزحين معي أليس كذلك يا أمي؟ أخبريني أنها دعابة منك وأنك فقط تتلاعبين بأعصابي.
الأم وهي تحاول شرح الأمر له كما فهمته: ليس الأمر كما تظن يا بني! فهو ليس زواجًا مكتملًا وبالمعنى المفهوم، ولكنها وقبل نزوحهن إلى هنا، تم عقد قرآنها على ابن عمها، وعما قريب سيحضر بصحبة والدها ويغادرون جميعًا إلى إحدى دول الجوار بعد توفيق أوضاعهم هناك.
(مازن): ربما هم يقولون لك ِ ذلك حتى لا يكونوا مضطرين إلى
الرفض.
الأم: لا أدري يا بني! ولكن المرأة ليست من النوع الذي يكذب.
استطردت قائلة، وكأنها تذكرت أمرًا ما خطر على ذهنها فجأة وهي تقول: لقد حدث شيء لم أستطع فهمه أو تفسيره.
(مازن) وقد لاحت له نافذة من الأمل: وما هو ذلك الشيء؟
الأم بصوت خفيض، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد: لقد لاحظت أثناء حديث الأم عن عقد القران دموع (شذى) التي انسابت على
وجنتيها عندما تحدثت والدتها عن زواجها بابن عمها، ولا أدري سر هذه الدموع، وهل هي دموع رفض واعتراض أم ربما تكون ليست سوى دموع الحنين إلى أبيها ووطنها؟!
(مازن) وقد كسا الحزن ملامحه، وهو يردد بصوت خافت: لله الأمر من قبل ومن بعد يا أمي! ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا... قال ذلك وهو ينهض مغادرًا لتسمعه يقول بأَلَم: الله المستعان.
l
بعد عدة أيام تناهى إلى سمعهم بعض هرج ومرج وصوت آهات مكتومة من شقة الأسرة السورية، مما دفع والدة (مازن) للنزول على عجل لتفقدهن والاطمئنان عليهن، وما إن طرقت على الباب حتى فتحت لها أخت (شذى) الصغرى، والتي تنحت جانبًا لتسمح
لوالدة (مازن) بالمرور، والتي ما إن دلفت للداخل حتى أدركت أن
هناك وضعًا خطيرًا، وأن أمرًا جللًا قد حدث.
كانت والدة (شذى) تتشح بالسواد، و(شذى) تجلس بالقرب منها، وقد بدا الشرود على ملامحها وآثار دموع لم تزل تنساب فوق
وجنتيها.
والدة (مازن) بقلق بدا بنبرة صوتها: ماذا يحدث؟ عساه خير.
والدة (شذى) بصوت متهدج من أثر النحيب: لقد اتصل بي منذ
قليل قريب لنا من سورية، وأخبرني أنه وأثناء عبور زوجي و(باسل) ابن شقيقه وزوج (شذى) من على الحدود الجنوبية، قد علقوا بالحدود وتعرضوا لإطلاق النار خلال اشتباك عنيف بين بعض
الفصائل المتناحرة بالمناطق الحدودية، وللأسف ولسوء حظهم قد علقوا بين الفريقين، وأثناء احتدام القتال تم قنص (باسل) ليسقط
شهيدًا، بينما تم الإمساك بزوجي ليتم اقتياده لجهة غير معلومة من
قبل إحدى الفصائل المتناحرة التي تسيطر على المعابر الحدودية.
والدة (مازن): لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بمقدار!
عظم الله أجركم ورحم الفقيد رحمة واسعة.. استطردت تقول بحزن: كما أسأل الله أن يقر أعينكم بعودة الغائب، فك الله بالعز أسره وفك كرب الشام وأهله.
والدة (شذى): لله الأمر من قبل ومن بعد، نسأل الله فرجًا
قريبًا.
طلبت والدة (شذى) من ابنتها أن تعد القهوة لضيفتهن، وما إن نهضت (شذى) لتلبي رغبة والدتها، حتى شعرت بأن قدميها لا تقويان على حملها، حاولت أن تستند إلى أقرب مقعد بالقرب منها،
ولكنها فشلت بذلك وبسرعة قصوى، وقبل أن يدرك الجميع ماذا
حدث، مادت الأرض من تحت قدميها لتسقط أرضًا وسط ذهول الجميع وحيرتهن المغلفة بالخوف والقلق.
نهضت أم (مازن) لتتوجه نحو باب الشقة لتفتحه، وهي تنادي على (مازن)، تستغيث به بصوت أقرب للصراخ، بينما كانت والدة (شذى) تحاول إفاقتها بشتى الطرق، وهي تعدل حجابها وتواري بعض خصلات نافرة من شعرها، تحسبًا لحضور (مازن) وهو شاب غريب عنهم، من ثم رفعتها بمساعدة (روان) فوق المقعد الكبير.
ما هي إلا ثوان ٍ حتى حضر (مازن) مهرولًا على إثر صرخات والدته، وما إن رأى (شذى) ممددة على الأرض، حتى اضطرب قلبه
وشعر بخوف وقلق تملك كل حواسه، وهو يقول متسائلًا في خوف: ماذا حدث؟ لتروي له أمه ما حدث قبل مجيئه..
بسرعة غادر (مازن) إلى شقته؛ ليعود وبيديه مقياس للضغط والنبض، وعندما اطمأن أنها بخير، بلل شفتيها بالماء ثم قام بحقنها بمادة منشطة لتستعيد وعيها.
نظر إلى والدتها محاولًا تهدئتها، وهو يقول: ستساعدها هذه
الحقنة على استعادة وعيها بعد قليل، ولكن يجب أن تستريح اليوم، وغدًا نجري بعض الأشعة والتحاليل لمعرفة ما ألم بها.
ثم استدار ليواجهها وهو يسألها، إن كان ما حدث الآن يحدث للمرة الأولى أم حدث بالسابق.
ترددت الأم قليلًا قبل أن تقول: منذ شهور أصابتها حمى شديدة، وتكررت الإغماءة أكثر من مرة، مع احمرار بالجلد، واصفرار
بالبشرة، صاحب ذلك انخفاض لافت لوزنها، حتى الطعام لا يكاد يستقر بمعدتها لدقائق قبل أن تفرغه من جوفها، وكنا سنستغل تواجدنا هنا بمصر لعرضها على طبيب مختص لمعرفة لماذا يحدث
ذلك معها. استطردت قائلة: لقد ظننت ببادئ الأمر أن ذلك يحدث
لقلة تناولها للطعام، بسبب حزنها وغضبها منا، ورفضها لاتفاق
والدها وعمها للزواج بـ(باسل) رحمه الله تعالى.
كان (مازن) ما زال لا يدرك موت (باسل)، والذي ومن خلال حديث والدته وحديث والدة (شذى) قد أدرك أنه من تم عقد قران (شذى) عليه ببلدها، قبيل حضورهن إلى مصر، ولكن ما لم
يفهمه وأثار دهشته وحيرته، هو قول والدة (شذى) أثناء حديثها عنه
(رحمه الله) فماذا يعني ذلك؟!
كما أنه لم يخف ِ شعوره بالخوف والقلق، وهو يستمع لما مرت به (شذى) سابقًا من فقدان وغياب للوعي، فهو أمر خارج عن
المألوف، وقد يكون مؤشرًا لمرض لا يدركون ماهيته.
كانت دقات قلبه تتعالى خوفًا وقلقًا فهو ومن خلال خبرته يدرك جيدًا أن هذه الأعراض التي ذكرتها والدة (شذى) للتو لا تنبئ
بخير، مما جعله يدعو الله بسره ألا يكون ما يفكر به صحيحًا وألا
يختبر هذا الألم.
أعطى والدة (شذى) بطاقةً لإحدى المستشفيات الخاصة، وهو
يخبرها أنها تعود لأحد أصدقائه قائلًا: سأكون بانتظاركن هناك صباح الغد، أو يمكنني اصطحابكن بنفسي إن لم يكن لديكن مانع.
الأم وهي تنظر لـ (شذى) بقلق وترقب: حسنًا يا بني! سنرى عندما يأتي الصباح، فربما لا نحتاج أن نتعبك معنا ونرهقك.
(مازن) بود: لا تقولي هذا يا خالتي! هذا أقل ما يمكنني تقديمه
لكن.. نظر نحو والدته وكأنه يحثها على النهوض والمغادرة معه
وهو يقول: يجب أن تهتموا بتغذيتها جيّدًا، وألا تتعرض لأي إرهاق حتى نقوم بالفحوصات اللازمة..
غادر (مازن) وهو يؤكد على الموعد بقوله: سأرسل لكم سيارة لتصحبكن حتى المستشفى صباح الغد إن شاء الله. قال هذا وهو
يلقي بنظرة أخيرة على (شذى) ليغادرن وما زال قلبه باقيًا حيث ترك
(شذى) ممددة بفراشها، وكأن روحه قد علقت حيث تتواجد روحها.
يتبع








































