تحرك الرائد أمجد بسرعة في اتجاه حلم والتي كانت تتنفس بصعوبة وسط قلق وخوف فرح ورهف اللتين كانتا تحاولان إفاقتها بصعوبة بالغة وهما ترددان اسمها بقلق.
اقترب منها الرائد أمجد حاملًا بين يديه قنينه من العطر مقربًا إياها من أنفها، والذي ما إن استنشقته مع أنفاسها حتى حركت رقبتها يمنة ويسرى ونظرت بعينيها إلى فرح ورهف وهي تحاول النهوض مستندة على ذراعيهما، جلست على المقعد ومالت إلى الوراء محاولة استعادة أنفاسها المتلاحقة وهي تقول بنبرة خافتة: كيف يعقل هذا؟
وضعت رأسها بين كفيها وهي تنظر إلى رفيقتيها قائلة: هل ما رأيته حقًا؟ أنا لا أتخيل هذا أليس كذلك؟ أنتما أيضًا رأيتما هذا معي؟
رهﻒ موجهة حديثها إلى الرائد أمجد: هلا وضحت لنا ذلك؟ هل هي صورة حقيقية أم مركبة؟
فرح: كيف تكون حقيقية؟ وحلم لم تذهب إلى فرنسا مطلقًا؟
الرائد أمجد كما ترون.. الصورة بمحيط برج إيﭭل في فرنسا ويبدو بها أدهم وزوجته رين وابنتهما لين.
حلم: ولكنها وكأنها أنا.
الرائد أمجد: نعم هي تشبهك إلى حد بعيد.
فرح: هي لا تشبهها فقط بل هما وكأنهما توأمتين.. نفس الملامح، نفس العيون، نفس الطول، لا أكاد أجد أي فروق بينهما.
رهﻒ: شيء لا يصدقه عقل حقًا بل يكاد يكون مستحيلًا، ولو أخبرني أي أحد بما رأيته بأم عيني ما صدقت ذلك مطلقًا.
الرائد أمجد: عندما عملت على ملف تلك القضية كنت متعاطفًا جدًا مع أدهم وما حدث لزوجته وابنته، مع تتبعنا لخيوﻁ الأحداث هنا وهناك، وعندما علمنا بوجودك ظننت للوهلة الأولى أن هناك أصابع خفية وراء ما يحدث، وقد ظننت أن حادث وفاة رين كان مفتعلًا أو مختلقًا لإبعادنا عن الحقيقة، ولكن بالبحث عنكِ وعن ماضيكِ علمنا كل شيء عنكِ وأن الأمر لا يتعدى كونه مصادفة بحتة ربما لا تحدث إلا بنسبة واحد في المليون ولكنها قد حدثت وهذا لحسن حظنا.
حلم: ماذا تقصد بقولك أن هذا لحسن حظكم؟ وفيما يفيدكم ذلك؟
الرائد أمجد: آنسة حلم.. الموضوع لا يتعلق بأشخاص فقط بل هو يتعدى ذلك كونه يتعلق بأمن الوطن، وهؤلاء الأشخاص لم يفعلوا كل ما فعلوه إلا لأنهم يبحثون عن شيء ما أو يخططون لشيء ما، وهذا ما سنحاول كشفه خلال الأيام القادمة، كذلك أدهم.. هو فاقد للذاكرة وربما قربك منه قد يعيد له ذاكرته مرة أخرى، وهذا سيفيده وابنته وسيفيدنا.
رهﻒ: ولكن كيف سنفيدكم بذلك؟
الرائد أمجد: ستدخلون ﭬيلا أدهم مجدي ومِن هناك ستبدأ خطتنا.
فرح: هل سندخلها خلسة؟
الرائد أمجد: لقد رتبنا لكل شيء فكما أخبرتكن أن لين بلغت الرابعة من عمرها وهي تحتاج لمن يهتم بها ويدرسها، وبالإتفاق مع مدبرة المنزل السيدة فريدة ستتقدمن للعمل كمدرسات للبنت حسب الإعلان بالجريدة وسيتم قبولكم للمهمة وستكونن تحت أعيننا.
رهﻒ: وماذا لو رفضنا تلك المهمة؟ هل سيكون ذلك من حقنا أم أننا سنكون مجبرات على ذلك؟
الرائد أمجد بابتسامة خفيفة: لكن كل الحق في الرفض أو القبول، في النهاية هي مهمة من أجل الوطن وأمنه وسلامته.
حلم: بل سأقبل بالمهمة وسأدخل الﭭيلا .
فرح: هل أنتِ واثقة من ذلك حقًا؟ أخشى أن يعرضك ذلك ويعرضنا للخطر
حلم: قلت سأقبل بالمهمة ولم أقل سنقبل يا فرح، أنتما كفاكما ما حدث لكما حتى الآن بسببي.
فرح: وهل جال بخاطرك للحظة أنني قد أتركك وأتخلى عنكِ بمثل هذا الموقف يا رفيقة الدرب؟
رهﻒ: عن نفسي فأنا سأسبقكما إلى هناك فهذا الأمر ليس فقط من أجل الوطن ولكنه يخدم أبحاثي والتي ستصب في خدمة البشرية.
تهللت أسارير الرائد أمجد وهو يقول: على بركة الله تبدأ عمليتنا والتي سنطلق عليها العملية حلم وهذه ستكون كلمة السر التى يستخدمها عملاؤنا لتنبيهكن لأي خطر أو لإبلاغكن أنهم ينتمون للجهاز.
رهﻒ بابتسامة غامضة: أشعر بالإثارة منذ الآن، يعجبني هذا جدًا ويروق لي وها قد تحقق حلمي لأصبح عميلة سرية.
فرح: حسنًا أيتها العميلة.. هل يمكنكِ إعادتنا إلى حيث سيارتنا؟
الرائد أمجد مبتسمًا: لا داعي للقلق.. لقد أحضرنا سيارتكن وهي بالأسفل، وسيقوم أحد رجالى بإيصالكن إلى المنزل، ولكن لا تنسوا غدًا فى تمام الساعة التاسعة صباحًا ستتقدمن لطلب الوظيفة بﭭيلا أدهم مجدي.
أومأت حلم ورفيقتاها بالإيجاب وهن يغادرن المكان والرائد أمجد يودعهن بابتسامة ودودة.
حلم من داخل السيارة موجهة حديثها إلى فرح ورهﻒ:
ستكونان بضيافتي اليوم حتى نتوجه غدًا إلى عملنا الجديد.
فرح: لا مشكلة عندي في ذلك فأمي حذرتني من ترككِ بمفردك ولو للحظة واحدة.
رهﻒ: وأناكمغتربة سيكون من السهل تواجدي معكما، فقط سأبلغ رفيقاتي بسكن المغتربات وكذلك سأبلغ والدي حتى لا يقلق إذا اتصل ولم يجدنى.
تستغرق السيارة وقتًا طويلًا حتى تصل إلى شقة حلم والتي ما إن أدارت المفتاح حتى قالت بقلق: تُرى ماذا حدث للعصافير؟ مضى وقت طويل وأنا بعيدة عنهم.
ابتسمت فرح بصوتٍ عالٍ وهي تقول: وهل يفوتنى ذلك؟ لقد اهتممت بكل شيء، عصافيرك، ورودك ونباتاتك.. فأنا أعلم حبك بل وشغفك بهم، نظرت حلم لها نظرة ممتنة وهي تشكرها قائلة: لا أدري ماذا كنتُ لأفعل بدونك يا رفيقة الدرب.
رهﻒ: أكاد أتضور جوعًا فإن لم تتداركا الوضع ربما أتحول إلى زومبي وأتجول ليلًا لالتهامكما، أعقبت قولها ذلك بابتسامة خفيفة بينما توجهت حلم إلى المطبخ قائلة عشاءكما اليوم من يدي فأنا طاهية بارعة وسأدهشكما حقًا.
رهﻒ: لقد سال لعابي قبل أن تُعدي شيئًا.
حلم: أنا أفضل فتاة في الشرق الأوسط تقوم بسلق البيض وعمل السلطة، هنا هجمت فرح ورهف على حلم وهما تطاردانها وهي في طريقها إلى المطبخ، في جوٍ من المرح أنهت الرفيقات عشاءهن وإن لم ينجح ذلك في إخفاء قلقهن وخوفهن مما هن مقدمات عليه.
كانت حلم مستيقظة عندما أعلن المنبه عن الساعة الثامنة فأخذت توقظ فرح ورهف اللتين استيقظتا وهما تتثائبان وتفركان أعينهما من أثر النعاس، دقائق مرت عليهن وهن يتناولن قهوتهن وبعض قطع الكعك المحلى، من ثَم ارتدين ثيابهن واستقللن سيارتهن واتجهن إلى المعادي حيث ﭬيلا أدهم مجدي، وعند
البوابة الخارجية فتح لهن الحارس الباب، فسرن مسافة قصيرة قبل أن يترجلن من السيارة ليحاولن تبين معالم الﭭيلا من الداخل، وكانت ﭬيلا كبيرة تحيط بها حديقة جميلة من الواضح الإعتناء بها، وكم لا بأس به من الأشجار المعمرة والتي تلقي بظلالها على سور الحديقة من الداخل، تقدمن إلى بهو الﭭيلا من الداخل.. كانت عبارة عن دورين، وكانت تنم عن ذوق واضح من حيث الأثاث واللوحات على جانب الدرج.. وبعض التحف التي وضعت بشكل متناسق لتعطي رونقًا للمكان وتضفى عليه مزيدًا من الجمال.
رهﻒ: ما كل هذا؟ في حياتي لم أر مثل ذلك، هل تشاهداكم هذه التحف والأنتيكات؟
فرح: حقًا وكأننا بمتحف صغير، حقًا هذا رائع جدًا جدًا. أتى صوت من خلفهن يقول: الأستاذ أدهم ليس فنانًا ورسامًا
فحسب، بل هو هاوٍ لجمع التحف والأنتيكات، وقد جمع الكثير خلال رحلاته بالخارج.
التفت الثلاثة إلى مصدر الصوت.. كانت سيدة في العقد الخامس من عمرها، متأنقة وهادئة الملامح وتبدو الطيبة على محياها، ابتسمت وهي تقول بصوت رقيق: لم أعرفكن على نفسي أنا فريدة مدبرة المنزل.
ابتسمت حلم وهي تقول: نحن هنا ل ...
قاطعتها فريدة وهي تقول: سبحان الله هل هذا معقول؟ لم أصدق عندما أخبرني بذلك السيد أمجد، ولكن ما أراه بعيني حقًا لا يُصدق يا ابنتي.
حلم: هل سنلتقي بالأستاذ أدهم الآن؟
فريدة: لا يا ابنتي، ربما الآن ليس الوقت مناسب لذلك، فهو بعد ما مر به يبدو حزينًا للغاية، ورغم طيبته ورقته الشديدة إلا أنه أصبح يتعامل بقسوة بعض الشيء مع من حوله، لم تدرك حلم سر ارتياحها عندما أخبرتهن فريدة أنهن لن يلتقين بأدهم الآن.. ربما بقرارة نفسها تعلم أن الوقت ليس مناسبًا لذلك .
حلم: هل يمكنكِ أن تحدثينا عن الأستاذ أدهم وشقيقه رحمه الله وعن نشأتهما والعلاقة بينهما؟
فريدة وقد عادت إلى الوراء وكأنها تستعيد ذكريات قديمة: والدهما هو الأستاذ مجدي أحمد مجدي.. محامي شهير وله صولاتٍ وجولاتٍ في المحاكم، وكان نصيرًا للفقراء والمظلومين، عملت معه كسكرتيرة في مكتبه لفترة طويلة قبل أن تصاب زوجته بمرض خطير جعلها عاجزة عن رعاية توأمين، ونظرًا لثقته بي طلب مني الحضور إلى المنزل لرعاية الطفلين، ولم يمضِ وقت طويل حتى رحلت والدتهما إلى الرفيق الأعلى مع عدم قدرة الطب في ذلك الوقت على إنقاذها، لقد حاول والدهما أن يعوضهما فقدان الأم وبذل كل جهده لإسعادهما، وكان يحلم أن يلتحقا بكلية الحقوق ليكملا مسيرته بنصرة الحق، ولكن للأسف هذا لم يحدث فقد التحق الأستاذ أحمد بالحقوق فعلًا وأنهى دراسته،
ولكنه لم يعمل بالمحاماة وتوجه إلى الأدب والكتابة، أما أدهم فقد رفض رفضًا قاطعًا الدراسة هنا، وأصر على دراسة الفنون في فرنسا.. وتحت إلحاحه وافق والده مضطرًا، ومات والدهما وهو يوصيني بهما.
ذرفت بعض دمعات فشلت بمنعها من النزول، مما جعلهن يحترمن دموعها بصمت.
قطع صمتهن صوت طفولي يأتي من فوق الدرج، كانت طفلة صغيرة رقيقة الملامح تشبه الملاك الصغير، تسير برفق وتتهادى على الدرج محاولة النزول إلى الأسفل،كانت حلم ورفيقاتها مقابل الدرج من ناحية الظهر لذلك لم ترهن لين بوضوح، وما إن أكملت نزولها وأصبحت بمواجهة حلم حتى قفزت نحوها بمرح طفولي وهي تصيح قائلة: لقد تأخرتِ عليَ كثيرًا.. أين كنتِ؟ أنا انتظرك للذهاب إلى الملاهي كما وعدتِني، كانت تنطق الحروف بلهجة عربية بلكنة فرنسية وهي تقبل حلم وتحتضنها.
كان هذا كفيلًا بأن يجعل الجميع يذرفن دموعهن وهن ينظرن إليها بعطفٍ وشفقة لبراءتها وطفولتها، فقد ظنت لين بعفوية الأطفال أن أمها قد عادت من السفر....
يتبع








































