كانت شمس القرية لا تزال ناعسة حين خرجن تباعًا من بيوتهن الطينية، يُخبئن ضفائرهن تحت إيشاربات بسيطة، ويمشين بخطى متحمسة على الطريق الترابي الطويل.
تسعة عشر فتاة من قرية واحدة، "السنابسة"، أصغرهن لم تتجاوز الرابعة عشرة، وأكبرهن بالكاد بلغت التاسعة عشرة.
لم تكن خطواتهن ثقيلة، رغم أن قلوبهن تحمل من الهموم ما لا تحمله الجبال.
كُنّ يضحكن، يتهامسن، ويتبادلن الحلم تلو الحلم، كأنهن يصنعن خبزًا ساخنًا فوق تنور الشمس.
شيماء، اختارت ألا تُثقل على والدها المريض الذي يعول ثلاث أخوات غيرها بمراحل التعليم المختلفة.
تخلّت عن الثانوية العامة، رغم تفوقها، واختارت مدرسة الصنايع لأنها أقل تكلفة.
كانت تقول بفخر:
— "مش لازم أكون زي إخواتي في الكليات، أنا هكمل طريقي بطريقتي."
تفوقت، وتصدّرت دفعتها، حتى دخلت المعهد، ومنه إلى كلية الهندسة، حلمها القديم الذي خبأته في قلبها ككنز ثمين لا يراه أحد.
وفي ذلك الصباح، كانت تجلس قرب النافذة، تُحدّق في السماء الصافية كانت تراقب حلمها يمرّ عبر السحاب.
أية، كانت تدخر أجرها البسيط لتشتري فستان زفاف أبيض، تخيطه عند خيّاطة تسكن آخر الحارة.
كانت تقول دائمًا، وعلى وجهها الضاحك بقايا ابتسامة باهتة:
— "أنا مش عايزة شبكة ولا دهب... بس نفسي أكون حلوة في يوم فرحي."
ضحكتها تلك كانت آخر ما بقي عالقًا في ذاكرة من نجا.
سمر، كانت تحلم فقط بساعة حائط تهديها لأمها، كي تعرف مواعيد الدواء، ولا تفوّت صلاة الفجر.
أسماء، كانت تدفع بأجرها ديون والدها الذي اقترض لتجهيز شقيقتها الكبرى للزواج، وكانت تقول:
— "أنا شايلة مع بابا... ولما أخلص دينه، هكمل جهازي."
في طريق الذهاب، كانت ضحكاتهن تُشبه زغاريد مؤجلة، والحافلة التي تقلهنّ تُشبه بيتًا صغيرًا محمولًا على عجلات.
كل زاوية فيه كانت مملوءة بالأمل، وكل مقعد يحتضن أمنية.
لكن الطريق... لم يكن أبدًا يعبأ بأحلام الصبايا.
فجأة، أُغلقت نافذة الأمل، وانطفأ النور.
صرخات.
ارتطام حاد.
ثم وجع، وأنين، ودم ممزوج بالحلم.
حادث تصادم مروّع، سبّبته شاحنة تسير بعكس الاتجاه، في طريق مهترئ لم يعرف الصيانة يومًا.
لم تكن هذه المرة الأولى، لكن هذه المرة... كانت الأوجع.
ثلاث شقيقات "أية وسمر وأسماء" صعدت أرواحهن معًا، وكأنهن لم يُردن الفراق حتى في الموت.
ثلاث شقيقات.. دفعة واحدة.. في نعوش بيضاء.. خرجوا من نفس الباب الذي كانوا يخرجون منه للدنيا، لكن هذه المرة عادوا في صمت.. ملفوفين في الأكفان.
أخريات سلّمن أجسادهن للنزيف، والكسور، والخذلان.
اختلطت الدماء بالأمنيات، وتشوهت الأحلام قبل الأجساد.
صعدت أرواح بريئة، تُحمل معها أحلامًا لم تُكتب لها الحياة.
وفي المساء، اتشحت القرية كلها بالسواد.
بدا وكأن الريح نفسها توقفت، وانحنت النخلة في الطريق القديم حزنًا.
جدران البيوت لم تعد قادرة على حمل صدى البكاء.
في الجنازات، لم تمشِ الأمهات على أقدامهن؛ كُنّ يُسندن بأذرع ترتجف، وقلوب تنزف.
أما الآباء، فقد وقفوا متسمّرين، كتماثيل من وجع.
لم يبكِ أحدهم بصوت، فقط سالت دموعهم كأنها تُغسل خطايا العجز وقلة الحيلة.
كان أحدهم يتمتم في قهر:
— "أنا السبب... أنا اللي ما قدرتش أحافظ عليها."
عبارة تقاسمها الآباء جميعًا، حتى وإن لم ينطقوا بها.
في اليوم التالي، ظهرت النتائج... نجحن.
لكن لم يتبقّ من فرح النجاح سوى صورهن معلّقة على جدران المدارس، كأنهن أيقونات حزينة، تسكن الذاكرة إلى الأبد.
ما زالت الحافلة تمرّ كل صباح، لكن أحدًا لم يجرؤ على الحلم كما كنّ يحلمن.
كل صباح، تسلّم القرى بناتها للأمل،
وكل مساء...
تنتظرهن الأمهات على أحرّ من الجمر.
تمت








































