وعند حدود أسوار بوابات الجامعة، وقفت مشدوهة تتلقى أزيز نظراتهم في وجل، وكأنهم يعزونها فيه: "سليم" صديق طفولتها، متغيب هو منذ أيامٍ عشر، ولا حيلة لها في الوصول إليه، فما بالهم يا ترى؟ ولِم هم يبدون كذلك؟ أَوَصل لأسماعهم أمرٌ بخصوصه؟ أَنَما لعلمهم شيئٌ عنه؟
سليم..
كم حاولت الوصول إليه دون جدوى.
تعودا منذ زمن على الالتقاء خلف أستار العقل، ينفذ إلى عقلها بانسيابٍ ليقرأ ما به، فتنتبه... وتبادله حوارًا بحوار... يتناقشان في جذل، يتجادلان في شغف، يتلاعبان بالأفكار، تمسك بتلالبيب عقله؛ فيأسر شغافها، تصرعه بحجة المنطق، فيغلبها بهمس الأنفاس، كانت تعشقه... تذوب بهواه، ولكنها لا تستطيع أن تفصح أولًا، فمن المفترض أن يخطو هو أول خطوة بمحراب هواها، أوَليس من المفترض أنه يقرأ دواخلها؟ فكيف إذًا غاب عن وجده استشعار تنهدات نبضاتها؟ لم يكن أمامها غير الاستسلام لواقع الأمر، هو صديقها إذًا حتى إشعارٍ آخر. حتى استيقظت ذات فقدٍ فلم تجده، أين ذهب؟ لا تدري. أين اختفى سليم؟ لا أحد يعرف.
حاولت النفاذ لعقله مرارًا دون فائدة ترجى، وإذا بها الآن وسط رفاق الدراسة... فلِم تبدو في أعينهم صفرة الوجع؟ يا ألله... كم كرهت ذاك اللون الأصفر.. فإذا به يحاصرها بشباك نظراتهم.. ما لها تعجز عن قراءتهم بوضوح؟ قلبها ينبئها أن خلف احتجاب أفكارهم أمرًا جللًا، أيعقل أن يكون قد أصابه مكروه؟ أيكون ذاك هو سبب عدم استطاعتها استكشاف أودية عقله؟ كلا... لا بد وأنه في مكانٍ بعيدٍ لذا لا تستطيع ذبذباتها التوافق معه عبر أثير الروح كما تعودا.
ولكن مهلًا، ها هي الحجب تنقشع تباعًا عن عقل زويا.. رفيقتها في دراسة علم النفس...
ثمة تشويشٍ هادرٍ يحيطها، ثم تلتقط وهدات عقلها كلمات مبهمة
"حلق..
نحو...
هوى..."
يا ألله، ما أقبح هذا الأزيز..!!
تحتشد قطرات العرق على جبينها، صوت تنهداتها يعلو على ضجيج عقولهم، شهيق يتبعه شهيق يليه شهيق، ألن يرحمها الزفير ويحضر؟ أنفاسها تأبي المغادرة، وكأنها تختنق...
لا، بل تحترق...
تزفر أنفاسًا جاهدت لإخراجها، تتزامن الكلمات في عقل زويا مع تحرر أنفاسها في زفرةٍ طال انتظارها أمدًا، لتُكون جملة مسمومة تتردد في سراديب عقلها وكأنها ومضات.. لا كلمات...
حلق نحو الهوى؛ فهوى...
حلق نحو الهوى؛ فهوى...
لااا..
سليـــم...
نادته حتى انقطعت أحبالها القلبية...
سليــــــــم...
نادته حتى كلت أساليب النداء..
لا سبيل لاستعادته إلا بالتحليق...
ها هي تركض..
تتسارع نبضاتها...
تركض..
تتلاشى أنفاسها...
تركض، عله يختفي الوجود..
تفتح ذراعيها باتساع المدى..
وتحلق خلف هواه...
فهل تهوي؟؟
لن نعلم حتى نعلم..
ولكن... لنأمل لها النجاة.








































