-ليكن في حُسبانك أنني لن أبيت الليلةَ ها هنا، فأنا سأقضي ليلتي هذه في بيت والديَّ.
ألقتها إليه بلهجةٍ تقريريةٍ تحمل من التذمر الكثير .صَّكت تلك الكلمات مسامعه فلم تُصبه منها دهشةً، ولم ينتفض كيانه ارتجافًا من وقعها عليه، فهو قد اعتادها على كل حالٍ، كما اعتاد ذلك التغير الطاحن في شخصيتها، تغيرٌ بدأ طفيفًا في مبتدأ الأمر، غير أن قلبه لم يغفل عن الانتباه له من أولِ وهلةٍ. حقًا لم يستطع عقله وقتها استيعابه، وعزا ذلك إلى كم الضغوط اليومية التي تلاقيها في محيط عملها، ولكنه كان هناك شيءٌ خفيٌ بقلبه يستشعر التوجس منه، كانت جوارحه تئن بصوتٍ خافتٍ ريبةً مما هو آتٍ، غير أنها كانت تعرف السبيل جيدًا إلى تهدئة ظنونه، فقد كانت على درايةٍ تامةٍ بجميع مداخله، تُمسك بمفرداتِ روحه بين يديها؛ فتُدنيه منها وقتما تريد، وتُقصيه عنها عندما يحلو لها، وكان هو لا يجد في ذلك ضَيرًا ما دامت له في نهاية الأمر .
صمت قليلًا محاولًا تجاوز تلك الأزمة كما تجاوز سابقاتها مستعملًا كل ما تأتى له من فنون التغافل التي أتقنها طوال الفترة الماضية، ليس عن ضعفٍ أو تقاعسٍ عن ردعها، ولكنه حبًا شديدًا يحمله لها بين ضلوعه .
أرغم نفسه على الابتسام لها قائلًا في لهجةٍ تحمل بين طاياتها رايات الاستنكار المستتر:
- ألم نتفق من قبل على أن تذهبي إلي بيت والديك وقتما يحلو لك، كما اتفقنا على أن هذا هو بيتنا أنا وأنت، وأنه لا يجوز أن يقضي أيٌ منا ليلته خارج بيته.
بانت على ملامحها علامات التنمر، وبدأ صوتها يكتسب سيمفونية الارتفاع التي اعتادتها مؤخرًا وهي تقول:
- لم يعد هذا بيتي بعد الآن، وأنت تدرك تمام الإدراك أننا وصلنا إلى طريقٍ مسدودٍ يستحيل لأيٍ منا أن يرجع منه ليبدأ من جديد، فلتعتبر هذه الليلة فرصةً أخيرةً لك لتعيد ترتيب أولوياتك علك تصل إلى قرارٍ يرضيني .
أشاح بوجهه بعيدًا عنها محاولًا تمالك أعصابه بكل ما أُوتي من قوةٍ، داعيًا الله فيما بينه وبين نفسه بألا تتمادى في ردود أفعالها والتي أفلت زمامها منها كثيرًا مؤخرًا... غير أن شيطانها كان قد غلبها وتمَلَك منها هذه المرة أيضًا، وأوعزت لها نفسها بأنها صاحبة الكلمة العليا ها هنا، ولِمَ لا؟ أوَليس يهيم بها عشقًا؟ ألم يسعَ جاهدًا طوال الفترة السابقة إلى اللهاث لإرضائها؟ فلِمَ لا يتنازل هذه المرة أيضًا لتصبح هي راضيةٌ عنه؟ وبكل ذرةِ إيمانٍ بداخلها تُنبِئها يقينًا بأنه من حقها تحقيق ما تصبو إليه مهما كلفها الأمر، صرخت فيه قائلةً:
- لقد سئِمتُ تصرفاتك هذه، فأنت كعهدي بِك دائمًا تحاول الهروب من مناقشاتنا معًا بتعمدك تجاهلي؛ تحاول استفزازي عن عمدٍ معتقدًا بأنني هكذا سأرضخ لك في النهاية لأنهي الخلاف، ولكن لتعلم جيدًا أني ما عدت قادرةً على تحمل أفعالك بعد الآن، ولا تحملك أنت الآخر، فلا تمارس هذا الدور معي فأنت تدرك جيدًا أن قراري بيدي وحدي، وتعلم مكانتي كأستاذةٍ في الجامعة، وبأنني لست كمثلِ نساءِ عائلتك الأخريات، اللاتي يَرضين بلُقيماتٍ تُلقى إليهن كل حينٍ فتُضطر كلٌ منهن إلى الرضوخ والانصياع لسيدها .
خيل إليه وقتها أن صوتها يأتيه من أغوارٍ سحيقةٍ، وأنه يرى صورتها أمامه مهزوزةً مشوشةً، وكأن جهاز الاستقبال الخاص به قد أصابه عطبٌ ما أودى بمجسات قلبه، أو كأنها انتزعت القابس المسؤول عن تحكمه بنفسه بكلامها هذا. كان في هذه اللحظه وكأنه مِرجلٌ ضخمٌ أُوقِدت تحته نيرانٌ عظيمةٌ، وأوشكت الحممُ بداخله على الفوران لتُغرق كل ما حولها غير عابئةٍ بشيء.
زادت هي من إضِرام نيرانه عندما أكملت ثورتها في هياجٍ شديدٍ:
- لتعلم كذلك بأنني لن أضحي بمستقبلي العلمي في محراب زواجنا المزعوم هذا، وأنني سأرتحل لأروبا لألحق بتلك البعثة الدراسية التي رُشِحت لها، وبأنني ماضيةْ في قراري هذا مهما كانت النتائج، سواء قبلت أنت ذلك أو لم تقبل، فما عاد رأيك بذاتِ أهميةٍ بالنسبةِ لي.
يا ألله "قُضِي الأمرُ الذي فيه تستفتيان".. لقد أعلن بركانه عن نفسه في نهاية الأمر، فلم يدرِ إلا وهو يصفعها بكل ما أُوتيَّ من قوةٍ.. صفعة وضع فيها كل معاناته معها طوال الشهور الماضية، حمْلها بكل ما عجز عن إتيانه خشيةَ أن يفقدها، ثم أمسك بها وهزها بين يديه مرارًا وكأنه ينفض عنه كل ما تحَمَله في سبيل إنجاح زواجهما معًا، وكأنه يُخرِجها من داخله كما يَخرج الميت من الحي، صفعها مجددًا ولكن هذه المرة بكلمتين اثنتين خرجتا منه تحملان نزفَ قلبٍ تحمْل كثيرًا، ولم يعد قادرًا على الاستمرار بعد..
-أنت طالق.
قالها ثم أفلتها من بين يديه، واتجه مُغِاضبًا إلى باب الشقة خارجًا منها، ومخرجها من حياته إلى الأبد.
تمت








































