"صديقي العزيز"
أكتب إليك هذه الكلمات لأني أعرف أنك تحمل في قلبك ما يفوق قدرتك على البوح، أعرف أن الضيق قد يطوق روحك أحيانًا، وأنك قد تجلس وحيدًا تتأمل سقف غرفتك كأنك تسأل السماء: لماذا كل هذا يحدث لي؟ لستَ وحدك يا صديقي، فالضيق سنة من سنن الحياة، والابتلاء طريق يمر به كل إنسان مهما بدت ابتسامته صافية أو أيامه هادئة، إنها دروس إلهية، قد نكرهها في بدايتها، لكننا ندرك قيمتها حين نصبر ونحتسب ونرى النور يتسلل من جديد إلى قلوبنا.
أتعلم يا صديقي!؟ لقد شعرت مثلك من قبل أنني في نهاية الطريق، وأنه لا طاقة لي لأكمل، كنت أرى الدنيا ضيقة، والأرض برحابتها صغيرة، لا تسع أحزاني ولا تستوعب وجعي، لكني تعلمت أن الضيق أحيانًا ليس سوى جسر، علينا أن نعبره بحذر وصبر لنصل إلى ضفة أوسع، في تلك اللحظات، لا شيء يساند الروح مثل كلمة “يا رب”، ولا ملجأ أصدق من الدعاء الذي ينطلق من قلب منكسر، حينها فقط ندرك أن الله لم يتركنا يومًا؛ بل كان ينتظرنا لنعود إليه صادقين.
"صديقي" يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. تأمل التكرار في هذه الآية، كأن الله يريد أن يطمئن قلبك مرتين، ليؤكد أن اليسر ملازم للعسر، وأن الفرج لا ينفصل عن الشدة، فلا تيأس مهما تعسرت الأمور، فالعسر طريق قصير يعقبه يسراَن، لا يسر واحدًا. وقال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فلتطمئن، فما دمتَ قد ابتُليت، فأنت قادر على الصبر، والله أعلم بقدرتك منك.
وقد أخبرنا النبي صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف: "عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"
[رواه مسلم].
ألا ترى يا صديقي كم هو جميل أن يكون المؤمن رابحًا في كل حالاته؟ في الرخاء بالشكر، وفي البلاء بالصبر، فيصبح العمر كله خيرًا ممتدًا لا ينقطع.
أحب أن أشاركك تجربتي: لقد عرفت مرارة الخسارة يومًا، وضاقت بي السبل حتى شعرت أنني غريب في عالمي، لكنني حين لجأت إلى الله، تغير كل شيء، كنت أبكي في السجود وأقول: "اللهم إنك تعلم ضعفي، فارزقني قوة من عندك".
ومع الوقت أدركت أن الدعاء لم يغير ظروفي فقط، بل غيرني أنا من الداخل، فأصبحت أكثر صبرًا، وأكثر رضًا، وأكثر يقينًا أن الفرج قريب، واليوم، كلما مر بي ضيق، لا أراه عائقًا، بل أراه سلمًا يرفعني إلى مكان أفضل مما كنت فيه.
"صديقي" لا تخف من الدموع، فهي لا تُنقص من قوتك، بل تطهر قلبك وتقربك من الله، اجعل من سجودك متنفسك، ومن دعائك سندك، ولا تظن أن الله غافل عنك، فهو القائل: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
أحيانًا تتأخر الإجابة لأن الله يريد أن يعطيك أفضل مما طلبت، أو يصرف عنك شرًا لم تكن تعلمه، فاصبر وارضَ، وأبشر بالعوض الجميل الذي وعد الله به الصابرين.
أوصيك يا صديقي أن تحسن الظن بربك دائمًا، لا تدع الشيطان يهمس في قلبك أن ما أنت فيه عقوبة أو إهمال من الله؛ بل انظر إلى البلاء كرسالة محبة، يُطهرك بها الله ويهذب قلبك، ليمنحك بعدها ما هو أجمل،
ألم يقل النبي صلي الله عليه وسلم: "إذا أحب الله عبدًا ابتلاه؟" فما أعظمها من مكانة أن تكون من أحبائه، حتى وإن كانت بطريق الابتلاء.
"صديقي" اجعل لنفسك في كل يوم وقتًا لتتأمل نعم الله التي تحيط بك رغم ضيقك، قد تكون النعمة في نفسٍ يتردد، أو في صديقٍ وفيّ، أو في ابتسامة عابرة من عزيز، هذه التفاصيل الصغيرة هي رسائل خفية من الله، لتقول لك: "أنا معك".
ولا تنس أن تنشر الأمل في قلوب من حولك، فالكلمة الطيبة قد تكون طوق نجاة لإنسان آخر يختنق ولا يخبر أحدًا.
وأخيرًا، دعني أختم كلماتي لك بنداء من قلبي إلى قلبك: لا تفقد الأمل، فالحياة مهما أثقلت كاهلك، ستفتح لك أبوابًا من النور. لا تستسلم للظلام، فالله نور السموات والأرض، ولن يترك عبدًا قال بصدق "يا رب". تمسك بالصبر، واملأ قلبك باليقين، وانتظر العوض الجميل، فهو آتٍ لا محالة، وإن شعرت أن الطريق طويل، فاذكر أن الجنة تستحق كل دمعة صبر، وكل لحظة وجع، وكل ضيق عشتَه في سبيل رضا الله.
صديقي… إذا ضاقت بك الأرض بما رحبت، فارفع رأسك إلى السماء، فهناك رحمة أوسع من حزنك، وأجمل من أحلامك، وأقرب إليك مما تظن.








































