ليس كل صمتٍ عقابًا،
ولا كل غيابٍ هروبًا.
هناك صمتٌ تفرضه المعاناة،
حين يرهق الجسد وتخون الروح قدرتها على الشرح.
في الصمت مساحة بين "أريد أن أتكلم" و"لا أقدر على ذلك"،
حيث تتزاحم المشاعر في الداخل كزحام مدينةٍ بعد المطر،
كل شيء يريد أن يتحرك، لكن لا أحد يملك الطاقة للمضيّ.
صمت المتعبين لا يعني التجاهل،
بل هو محاولة نجاة.
هو استراحة المحارب الذي أنهكته المعارك،
وأتعبه الركض خلف من لا يسمع نبضه.
يصمت لأن الكلام صار مجهودًا،
والتعب جعله يختار السلام على الشرح،
والعُزلة على التبرير.
أحيانًا، يكون الصمت احتضانًا للنفس،
عندما لا يوجد من يحتويها.
يكون وسادةً ناعمة لروحٍ متألمة،
تختبئ خلف ملامحٍ هادئة كي لا تُرهق أحدًا بها.
المتعبون لا يريدون أن يُفهموا دائمًا،
هم فقط يتمنّون ألّا يُساء فهمهم.
أن يدرك من يحبّهم أن الهدوء ليس قسوة،
وأن الانسحاب ليس خذلانًا،
بل طريقة للبقاء على قيد الودّ دون وجع.
حين يلوذ المتعب بصمته،
فهو يرمّم ما تهشّم في داخله،
يُعيد ترتيب روحه، ويُطفئ الحروب الصغيرة التي تدور في صدره.
ولأن التعب ثقيل،
يحتاج أحيانًا أن يُترجم بالسكوت… لا بالكلمات.
فامنحوا المتعبين مساحتهم،
دعوا صمتهم يهدأ دون سؤال،
وثقوا أن من أحبّكم يومًا بصوته،
ما زال يحبّكم في صمته أيضًا.
وفي آخر الصمت...
ينهض المتعبون من وجعهم كمن خرج من ليلٍ طويل.
لا يعودون كما كانوا، لكنهم يصبحون أكثر وعيًا بما يستحق أن يُقال،
وأكثر رحمةً بأنفسهم.
يتعلمون أن السكون ليس ضعفًا،
بل لغة جديدة لا يجيدها إلا من خاض معاركه بصمتٍ وخرج حيًّا.
يتنفسون ببطء، يبتسمون بصدق،
ويعلمون أن الله يرى كل الصمت الذي لم يُفهم،
وكل الألم الذي لم يُقال.
حينها فقط، يصبح الصمت سلامًا،
لا وجعًا.








































