لم يحدث هذا في لحظة انفعال، ولم يكن قرارًا عابرًا تخلّق في ساعة ضيق. بل كان موتًا بطيئًا، كإطفاء قنديل ظلت تعبئه بالزيت سنوات، تراقب ضوءه المتراقص بخوف، كأنها إن فقدته ستتوه في العتمة. لكنها لم تَتُه...
أدركت يومًا، بعد تراكم الخيبات وخيانات الواقع، أن الصورة التي حملتها عن نفسها لم تكن إلا قيدًا ذهبيًا. أنها لم تكن إنسانة، بل مشروعًا دائم الترميم، تحاول أن تكون نسخة بلا شوائب، خالية من العيوب، موزونة بكل المعايير. لكن بأي ثمن؟
عاشت عمرها تُرْضِي، تُجَمِّل، تُهَذِّب، تُؤَجِّل، تُصَالِح، تُوَازِن… حتى أصبحت ثقيلة على نفسها. كانت تُحدّق في المرآة وترى ظلًّا مرهقًا، امرأة تعيش داخل سجن أنيق، لا يجرؤ أحد على كسره، لأنه بدا كاملًا.
ثم جاء الإدراك فجأة، بلا مراسم أو مقدمات. كان الأمر أشبه بصوتٍ داخلي هامس: "كفاكِ! من قال إنكِ يجب أن تكوني مثالية؟ من قال إنكِ مطالبة بحمل كل هذا؟"
حينها فقط، بدأ القتل. لا بالخنق، ولا بالإنكار، بل بالنزع الهادئ، كمن يخلع قناعًا التصق بجلده طويلًا. قتلت الصورة التي صنعها الآخرون، والتي ساهمت هي في تغذيتها خوفًا من الرفض. قتلتها لأنها لم تكن حقيقية، لأن الحياة أثبتت لها أن المثالية لعنة، لا هدية.
لكن الحرية لم تكن سهلة… كان جسدها معتادًا على الانحناء، ولسانها متدربًا على الاعتذار. في البداية، شعرت بالذنب، وكأنها تهدم ذاتها، لكن مع كل خطوة، كان النفس يصبح أخف، وكانت ترى العالم لأول مرة بعينَي شخصٍ غير مضطر لإرضاء أحد.
الآن؟ لا تبحث عن الكمال، بل عن الحقيقة. لا تهتم أن تكون مقبولة، بل أن تكون موجودة كما هي. لم تعد تبني جدرانًا من التجمّل، بل تعيش في بيتٍ من الصدق، مهما كان بسيطًا.
"وأنت؟ متى ستتوقف عن حمل صورة لا تشبهك؟"







































