ليس الإنسان بكثرة ما يملك،
ولا بعُلوّ صوته،
ولا بتسابقه نحو الظواهر.
بل الإنسان… بمدى قربه من جوهره،
بمدى اتصاله بالنور الأول،
بمدى ما يسكبه من يقينٍ في الأشياء، حتى حين تعتم.
إنّ البصيرة ليست حدسًا عابرًا،
وليست ترفًا روحيًا يُمنح لمن يشاء،
بل هي استجابةُ القلب حين يعود إلى منبعه،
حين ينقّي صوته من ضجيج الشكّ،
ويغسل عينيه من غبار الظنّ،
ويصمت، لا ضعفًا،
بل توقيرًا لما لا يُقال، ويُفهم.
الذين تاهوا عن مصدرهم،
صاروا يقيسون الأرواح بالمظاهر،
ويزنون المحبة بالأخذ والعطاء،
ويحاكمون النوايا بما يظهر، لا بما يستتر.
فانقلبت القلوب على أعقابها،
وباتت الرحمة ضعفًا،
والوضوح قسوة،
والتسامح غباءً لا يُغتفر.
أما الذين ثبتوا،
الذين ظلّت أرواحهم متصلة بالنور،
فإنك تراهم،
وإن لم يتكلموا،
تفهمهم، وإن صمتوا،
وتشعر أنّهم ينظرون إليك من عمقٍ لا تبلغه العيون.
هؤلاء لا تُخدعهم الكلمات،
ولا تستهويهم الألقاب،
لأنهم يرون ما وراء اللغة،
ويقرأون ما بين السطور،
ويعرفون الحقيقة، وإن تخفّت بثوب اللطف.
فمن أراد أن يرى،
فليغسل قلبه أولًا.
ومن أراد أن يُفهم،
فليتصل بنوره، قبل أن يطلب النور من الآخرين.
فالبصيرة…
ليست أن تُبصر ما هو ظاهر،
بل أن تُدرك ما خفي،
وتثبت على ما عُرفت،
ولو زلّت الأرض تحت قدميك.








































