اشتاقت الروح لحديثٍ يداعب ثَبْرَ أغوارها.
ذلك الحديث الذي لا يمرّ على الأطراف كنسمةٍ خجولة، بل يتسلل إلى باطن الوجع، يلمس مناطق الضوء المخبّأة خلف العتمة، ويوقظ في القلب أناشيد ظنّها النسيان قد ماتت.
اشتاقت لحديثٍ لا يُقال عابرًا، بل يُزرع كحلمٍ في التربة الدافئة للعُمق، يُسقى بالصدق، وينمو على مهلٍ كزهرةٍ عرفت طريقها إلى النور بعد ليلٍ طويل.
حديثٍ يتجاوز حدود المفردة، ويُلامس الصمت الذي بين الكلمات… ذاك الصمت الذي يصرخ أكثر من كلّ الأصوات.
كم تحتاج الروح أحيانًا إلى من يُحادثها بضميرٍ نقيّ، لا يلبس الأقنعة ولا يطلب شيئًا سوى أن يُصغي.
إلى من يُدرك أن وراء الهدوء نهرًا من الحنين، وأن خلف الابتسامة واديًا من الأسرار.
إلى من يفهم أن الدمع ليس ضعفًا، بل لغةُ الأرواح حين يضيق بها اللسان.
اشتاقت الروح لحديثٍ يشبه المطر الأول بعد جفافٍ طويل،
حديثٍ يُعيد ترتيب الفوضى في الداخل،
ويُذكّرها أن الله ما ترك فينا عطشًا إلا ليُسقينا حين ننضج للحقيقة.
كم من مرةٍ مرّت الأرواح بجانب من يُشبهها ولم تتعرّف إليه إلا حين تأخّر اللقاء،
وكم من حديثٍ مؤجّلٍ بين قلبين، لو قيل في وقته لغيّر مجرى العمر.
الروح لا تشيخ، لكنها تتعب من المسافات،
تتوق إلى لحظة صفاءٍ تتجلّى فيها المعاني عاريةً من الزيف،
إلى حوارٍ يكتبها من جديد،
إلى من يراها لا بعينه، بل ببصيرته.
وربما ما كانت الروح تشتاق لحديثٍ من بشرٍ بعينه،
بل لحديثٍ مع ذاتها التي هجرتها في زحام الأيام.
تشتاق لصوتها القديم حين كانت تحلم دون خوف،
ولنظرتها الأولى إلى السماء حين كانت تؤمن أن كلّ شيءٍ له سبب،
وأن الله لا يضع في القلب شوقًا إلا لمنادٍ من الغيب ينتظر الإجابة.
تشتاق لصدقها حين لم تكن تعرف التكلّف،
لطفولتها حين كان البكاء راحة لا عيبًا،
ولحريتها حين كانت تمشي بثقةٍ وسط المجهول.
تشتاق لأن تُحتضن بالكلمة لا بالذراع،
أن تُفهَم دون شرح،
أن تُرى كما هي، دون أن تُختزل في دورٍ أو مظهرٍ أو حكايةٍ ناقصة.
تشتاق لأن تُحَبّ بصدقٍ، لا رغبةً في امتلاكها،
بل لأن في داخلها عالمًا يستحق الاكتشاف.
وربما... كل هذا الاشتياق ليس لحديثٍ يُقال،
بل لسكينةٍ تُبعث فيها حين يُمسّ جوهرها برفق،
حين يلمس أحدهم، ولو للحظةٍ، عمقها الذي لا يُروى إلا بالصدق.








































