نعم، أنا الفراشة… لكنني ما كنتُ يومًا هشّةً كما ظننتم. كنتُ أُولد من رماد خيباتي كل مرة، وأرفرف لا بحثًا عن النهايات، بل عن بداياتٍ لا تُشبه أحدًا.
حين اقتربت من الضوء، لم أكن أُجاري غروري، بل كنت أُحاور طفلةً بداخلي تُصغي لصوت الحنين في عروق الضوء، تظنه حضن أبيها الذي غاب، أو حضن أمّ لم تكتمل، أو رجلاً يُجيد القراءة من صمتي دون أن أشرح.
أنا لم أحترق ضعفًا، أنا اخترت اللهب كي أختبر صدقه، وحين خذلني… لم أصرخ، بل احتضنت احتراقي كمن يحتضن درسًا مُرًّا كُتب له أن يتعلمه وحده.
أنا الفراشة، لكنني أُخفي خلف جناحيّ المتّقدين عمرًا من الحكمة، قلبًا يُجيد الخسارة، وعينًا تفرز الضوء من الزيف… وصوتًا ما عاد يركض نحو الأمل إلا إذا لبس هيبة اليقين.
أجل، كنت أركض نحو الضوء، لكنني الآن، إن لم يُشبه سكينة الله… لا أقترب.
فيا من ظنَّ أنني أهرعُ إلى الضوء كعاشقةٍ عمياء… اعلم أنني رأيتُ في الضوء صورةً لم أجدها فيك. وأن احتراقي لم يكن بحثًا عنك، بل عني.
ولئن خُدعتُ مرة، فلن أُلدغ من وهمٍ يبتسم وهو يطفئني. أنا الآن لا أتبع النور إلا إذا حمل في جوفه ظلًا يحميني، وصدقًا لا يُنكرني عند أول عتمة.
فلا تُسمّ احتراقي عشقًا… ولا تُسمّ نجاتي غرورًا.
أنا الفراشة… لكنني أخيرًا عرفتُ كيف أُغلق جناحيّ إن لم يُفتح الباب من الجهة الأخرى.
كنتَ تظنني فراشة تهرعُ إلى النور لتُحرق،
لكنّك لم تر أنني كنتُ أركض نحو ما ظننته أمانًا…
وأن احتراقي لم يكن ضعفًا، بل توقًا لأن يُشبهني الضوء مرة.
سامحتُ الضوء، وغفرتُ للنار… لكنني لم أعد أقترب إلا حين يفتح النور قلبه أولاً.







































