حين تُصبح الروح ساحة حربٍ بين ما كان، وما يجب أن يكون…
ها أنا أكتب، لا لأبرّر، ولا لأبحث عن عذرٍ يُنقذني من نفسي، بل لأقول لك – يا من تقرأني الآن – إنني أحبك حقًا، وأحبك بصدقٍ لم يعرف التزييف طريقًا إليه.
لكن ما أنا عليه الآن لم يكن اختيارًا، لم أختر أن أتعب، ولا أن أصبح غريبًا عن نفسي، بل كانت الحياة أدهى مني. خضتُ حروبًا صامتة لا يراها أحد، وخرجتُ منها حيًا بالجسد، ميتًا في الروح.
قد أبدو متقلبًا، غامضًا، بارداً حين يجب أن أكون دافئًا، أو صامتًا حين ينتظر الجميع حديثي، لكن صدقني… لم يكن هذا منك، بل مني أنا، من ذلك الجزء الذي انكسر ولم أجد من يُرممه.
لا أعلم ما أنا عليه الآن، كل ما في الأمر أنني لست بخير.
أتظاهر بالابتسامة، أضحك حين يجب أن أبكي، وأمضي كأن شيئًا لا يؤلمني، بينما كل ما حولي يدفعني للسقوط.
هناك شيء ما يمزقني من الداخل ببطء، كحبلٍ يشد قلبي إلى الهاوية دون رحمة.
لا أعلم إن كان هذا خطئي، أم أنني خُلقتُ هشًّا أكثر من اللازم؟.
هل أنا حساسٌ زيادة عن الحد؟ أم أن العالم صار قاسيًا لدرجةٍ تُخيف الحساسين من أن يكونوا أنفسهم؟
أحيانًا، أرى نفسي كزجاجٍ متشقق، يلمع تحت الضوء فيظنه الناس جميلًا، بينما الحقيقة أنه على وشك الانكسار الكامل.
أُخفي وجعي خلف الكلام الموزون والابتسامة المهذبة، وأضع حولي جدارًا من الهدوء كي لا يقترب أحدٌ من عاصفتي الداخلية.
لكن في داخلي… ثمة حرب لا تهدأ، بين قلبي الذي يريد أن يظل نقيًا، وعقلي الذي تعلم القسوة كي ينجو.
ومع هذا كله، اكتشفت أنني في طريق الدفاع عن نفسي قد أظلم من أحبوني.
ليس لأن فيهم خطأ؛ بل لأنني أنتقم لهم من نفسي.
أقسو عليهم لأني لا أستطيع أن أقسو على نفسي أكثر.
أدفعهم بعيدًا وأنا أختنق، فقط لأنني أخشى أن أؤذيهم بظلي المكسور.
وهذا ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل هو انكسارٌ داخلي، انكسارُ من تَعلمَ أن الألم لا يرحل، بل يتخذ أشكالًا جديدة كل يوم.
في تلك اللحظات التي أنهار فيها بصمت، أشعر أنني أؤذي نفسي وأؤذيهم معًا.
أغلق هاتفي، أبتعد عن الجميع، أختبئ في عزلةٍ تشبه القبر الصغير الذي أحفره كل مرة بداخلي.
أبكي دون صوت، وأتحدث مع الله كثيرًا، أُخبره أنني لا أريد شيئًا سوى السلام، أنني تعبت من محاولاتي المستمرة لأن أبدو بخير.
كم مرةً ابتسمت لمن أحبوني وأنا أتفتت من الداخل؟
وكم مرةً تمنيت أن أقول لهم: “سامحوني، فأنتم تستحقون مني فرحًا لا أملكه الآن.”
ومع هذا كله، هناك دائمًا شعاعٌ خافت في نهاية النفق.
في كل مرة أظن فيها أنني انتهيت، يرسل الله لي إشارة، ربما في كلمة، في حضنٍ صادق، أو في صمتٍ يحمل طمأنينة غامضة.
بفضل الله أولًا، ثم بفضل أولئك الذين احتملوا صمتي، وتفهموا فوضاي، وأحبوني لما أنا عليه، لا لما يمكن أن أكونه.
هؤلاء الذين لم يهربوا من عيوبي، بل جعلوا منها سببًا للبقاء.
من لمسوا وجعي بأيديهم، ولم يلوموني على ضعفٍ كنت أحاول ستره.
أولئك هم المعجزات الصغيرة التي يرسلها الله إلينا حين نكون على وشك الانهيار.
وجودهم في حياتي جعلني أفهم أن الله لا يترك من أحبه بصدق، حتى لو ظن أنه تائه.
لقد تعلمت منهم أن الحب الحقيقي لا يزول حين تضعف، بل يزداد عمقًا؛ وأن النهوض لا يكون دائمًا بالصلابة، بل أحيانًا بالدموع التي تغسل ما تبقى من رماد.
لقد أحبوني حين لم أحبّ نفسي، رأوا في عيوني نورًا لم أره، وسمعوا في صمتي صوتًا لم أستطع نطقه.
كانوا لي دعاءً يمشي على الأرض، ويدًا تُعيدني كل مرةٍ إلى الحياة.
ومن أجلهم، ومن أجل الله الذي أكرمني بهم، سأعود.
سأعود لا كما كنت، بل كما يجب أن أكون.
سأرمم ما تهدم، وأُلملم ما تبعثر، وسأحمل نفسي بين يدي برفق، كما يحمل الموج صدفةً أعادها إلى الشاطئ بعد غيابٍ طويل.
فيا من تقرأني الآن،
اعلم أنني لم أخذك يومًا ذنبًا، ولا جعلتك سببًا.
كل ما في الأمر أنني كنت أُحارب داخلي بصمت،
لكنني أعدك اليوم… أنني سأعود من غربتي،
سأتعلم أن أُحب نفسي كما أحبني الله، وسأزهر من جديد، ولو تأخر الربيع في قلبي ألف عام.








































