إلى روحٍ رحلت بالجسد، وبقيت بالوجدان، حيث لا ينتهي الكلام وإن غاب الصوت.
بعض الغياب لا يشبه الغياب، بل يشبه اقتلاع الروح من جسدها وتركها هائمة على وجهها، هناك وجوه، إذا فارقتنا، لا يعوضها الزمن ولا يشغل مكانها أحد، وأنت يا صديقي، غيابك يثقل القلب، يملأ حياتي فراغًا لا يمحوه ضجيج الأيام، واليوم، لم أجد سوى الكتابة لأبوح لك بما يعجز لساني عن قوله.
تقسو علينا الأيام، فنرتدي قناع القوة، نتظاهر أننا ندرك حجم ما نحن عليه، لكن الحقيقة أننا في الداخل أنهار متكسرة، تغرقنا كل لحظة في صمتها.
يا "صديقي"
ما زلتُ أنتظر لقاءً لن يعود، أعلم أنك الآن في دار الحق، حيث لا تعب ولا خوف، لكنني هنا في دار الفناء، مثقل بانتظارٍ لا نهاية له، أرهقني الفقد، أتعبني الطريق، وأشعر أنني أخوض حربًا وحدي دونك.
لا أريد أن أضع على روحك أي عبء، فأنت لم تعد مسؤولًا عن آلامي، لكنني أشكو لك وضعي، وأكتب لأخبرك أنني لست بخير، وأن الحياة بلاك موحشة، كئيبة، بلا معنى.
يا “صديقي”
أشتاق إلى لقاءاتنا القديمة، إلى الحلم الذي جمعنا، إلى خططنا الصغيرة التي كنا نرسمها بقلوبنا المليئة بالثقة، كنت لي أخًا وسندًا، كنت الحائط الذي أتكئ عليه حين تهب الرياح، وكنتُ لك مرآة تعرف ملامحك فيها.
الآن أمشي بنصف قلب، بنصف روح، كلما تذكرتك، شعرت أن جزءً مني رحل معك ولم يعد، رحلتَ قبل أن نكمل الحلم، قبل أن نمضي الطريق معًا، تركتني في منتصف الرحلة أفتش عنك في الوجوه، فلا أجدك.
"صديقي"
لم يخلُ يوم منذ رحيلك من ذكرك، أراك في صمتي، في الأماكن التي جمعتنا، في الضحكات التي سكنت جدران الذاكرة، أفتقدك حدّ الوجع، وأكتب لك كأنك تقرأ، وأحدثك كأنك ترد.
أعلم أن الموت قد فرق بين جسدينا، لكنني مؤمن أن الأرواح باقية، وأن لقاءنا لم ينتهِ بعد، سيجمعنا الله في دار لا وجع فيها ولا فراق، حيث نكمل أحلامنا المؤجلة، ونضحك كما كنا نضحك.
إلى أن يحين اللقاء، سأظل أدعو لك بالرحمة، وأسأل الله أن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأن يرفع درجتك في الصالحين، سأحمل وجعي حتى ذلك اليوم، وأعيش على أمل أن أراك، لأقول لك: “صديقي… عدنا لنكمل الطريق".








































