دائمًا يُقال لك إن ردّ فعل الطرف الآخر هو الصحيح، وأنك أنت من بالغت في التوقّع، كأن الشغف خطأ، وكأن الانتظار تهمة، وكأن القلب حين يمنح بصدق يجب أن يعتذر عن سخائه. تُقنع نفسك أن الأمر مُسلّم به، وأن منحت طاقتك سيمنحك مثلها، وأن الحضور الصادق لا يُقابل بالفتور، لكن الواقع لا يعترف بعدالة القلوب، ولا يُكافئ النوايا الطيبة دائمًا، بل يختبرها حتى آخر حدودها.
ترهق نفسك بالانتظار.
انتظار كلمة تُطمئن، أو رسالة تؤكد أنك لم تُخطئ في الاختيار، أو خطوة صغيرة تعيد التوازن لقلبك. تُسمي هذا الأمل صبرًا، وتُسمي الصمت حكمة، بينما هو في حقيقته استنزاف بطيء، لأن القلب الذي ينتظر طويلًا يبدأ في التنازل دون أن يشعر، ويخفض سقف احتياجه حتى ينسى ما كان يستحقه منذ البداية، مع أنه قلب يستحق أن تُعتنى به، وأن يُقدَّر، لا أن يُترك معلقًا على وعود غير مكتملة.
فالانتظار حين يطول لا يعلّمنا الصبر كما نظن، بل يدرّبنا على قبول القليل، وعلى تبرير الغياب، وعلى تحويل الألم إلى اعتياد. وهنا لا يأتي الجرح من خذلان الآخرين فقط، بل من خذلاننا لأنفسنا حين قبلنا بما لا يشبهنا. يقول الدكتور أحمد عكاشة إن الإنسان حين يمنح أكثر مما يحتمل يبدأ في معاقبة ذاته دون وعي، لأنه ربط قيمته بردّ فعل الآخرين لا بثباته الداخلي ولا بسلامه النفسي، وهنا يتكوّن الانكسار الحقيقي.
ويشير الدكتور مصطفى محمود في تأملاته الإنسانية إلى أن التوقعات العالية ليست دائمًا دليل حب، بل أحيانًا محاولة لملء فراغ نخشى مواجهته، فنعلّق آمالنا على الآخرين ثم نغضب حين لا يكونون كما تخيّلنا. أما نجيب محفوظ فكان يرى أن بعض العلاقات لا تموت بالخيانة، بل تختنق بصمت بسبب اختلال الميزان بين ما نمنحه من أرواحنا وما ننتظر أن يعود إلينا.
الحقيقة القاسية أن ليس الجميع قادرًا على طاقتك، ولا الجميع يفهم لغتك في العطاء، ولا كل من اقترب منك مؤهل لأن يحتمل صدقك واستمرارك. أن تعطي اختيارك وفضيلتك، لكن أن تتوقع المقابل ذاته دون وعي أو حدود، فهنا تبدأ الخسارة، لا لأنك أخطأت في العطاء، بل لأنك وضعت قلبك في مكان لا يعرف قيمته.
النضج لا يعني أن تقل عاطفتك أو تتحول إلى شخص بارد، بل أن تعرف أين تُنفق مشاعرك، ومتى تتوقف، وكيف تحمي نفسك دون أن تخون طبيعتك. فالتوقف عن الانتظار ليس قسوة، بل رحمة، وليس انسحابًا، بل إنقاذ أخير لقلب يستحق أن يُقابَل بالحضور، وأن يُعامل بقدر ما يمنح، وأن يُحَب دون أن يُرهق نفسه في انتظار لا نهاية له.








































