في لحظةٍ ما، يصبح الكلام عبئًا، لا لأننا استنفدناه، بل لأننا أدركنا أنه لم يكن المشكلة من الأساس، لأن الكلمات حين تتكرر دون أن تجد أثرًا، تتحول من وسيلة نجاة إلى دليل إدانة.
أكتب الآن لا بدافع الأمل، ولا انتظارًا للإنقاذ، بل لأن الكتابة آخر طقسٍ يمارسه الإنسان قبل أن يتصالح مع الصمت، قبل أن يعترف لنفسه أن المحاولة نفسها صارت مُرهقة.
لا أكتب لأتجاوز، ولا لأشفى، فأنا أعرف جيدًا أن الصفحات لا تُرمم ما انكسر، ولا تُعيد للقلوب ما ضاع منها في الطريق، وأن بعض الخسارات لا تحتاج تفسيرًا بقدر ما تحتاج شجاعة الاعتراف بحدوثها.
هذه ليست مذكرات تُحفظ، ولا اعترافات تبحث عن غفران، هي مجرد بقايا صوتٍ حاول أن يفهم، فاكتشف متأخرًا أن بعض الأشياء لا تُفهم، بل تُحتمل، وأن الوعي أحيانًا لا يحرر، بل يُثقل أكثر، لأنك حين تفهم، تفقد رفاهية العذر، وحين ترى الصورة كاملة، لا يعود لديك ترف الإنكار.
كنت أظن أن التدوين يُخفف الثقل، وأن تسمية الوجع تُفرغه من حدته، لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى؛ الألم لا يرحل لأنه كُتب، بل لأنه استُنفد، لأنه أنهك صاحبه حتى لم يعد قادرًا على الصراخ، فيتحول من صرخة إلى صمت، ومن وجعٍ فادح إلى عادة يومية تُمارَس بلا دهشة.
في كل صفحة، لم أكن أجد حلًا، بل كنت أجد مرآة، وكل مرآة كانت تُريني جزءًا لم أكن مستعدًا للاعتراف به: "أن المشكلة لم تكن في نقص الكلمات، بل في نقص التقدير، وأن أكثر ما يُرهق الإنسان ليس ما لم يُقال، بل ما قيل بصدق ولم يُرَ، ولم يُؤخذ على محمل الجد، وكأن الصدق نفسه صار عبئًا على من يسمعه".
تعلمت متأخرًا أن ليس كل شعورٍ يستحق أن يُدون، وليس كل صدقٍ يجد من يصونه، وأن بعض المذكرات لا تكون بلا فائدة لأنها سيئة، بل لأنها صادقة أكثر مما ينبغي، صادقة لدرجة أنها تترك صاحبها عاريًا أمام نفسه، بلا أعذار، بلا قصص جانبية، بلا شماعات.
ومع كل سطر، كان يتأكد لي أن الكتابة لا تُنقذ من الخذلان، بل تُنظمه، لا تمحو الخسارة، بل تُسميها، وأن أخطر ما في الفهم أنه لا يعيدك كما كنت، بل يتركك في منطقة رمادية، لا قادرًا على النسيان، ولا راغبًا في التكرار.
وكما قال أحمد خالد توفيق:
"أحيانًا يجب أن تموت من الداخل… كي تعيش".
وكانت هذه الجملة أقرب توصيفٍ لما يحدث هنا؛ موتٌ بطيء للأوهام، لا يُرى، ولا يُشيع، لكنه يغير شكل الحياة إلى الأبد.
أغلق هذا الدفتر الآن، لا انتصارًا ولا هروبًا، بل اكتفاءً، لأن هناك لحظة يصل فيها الإنسان إلى قناعة جارحة مفادها أن الفهم لا يُنقذ، والبوح لا يُنقذ، وأن الصمت ليس ضعفًا كما يُشاع، بل قرارًا واعيًا بالتوقف عن استنزاف ما تبقى من النفس، عن شرح ما كان يجب أن يُفهَم، وعن تبرير ما لم يكن خطأً من الأساس.
والحقيقة التي لا تُقال عادة، والتي لا تُكتب في آخر الصفحات إلا بعد فوات الأوان:
هذه المذكرات لم تكن بلا فائدة…
الذي كان بلا فائدة
هو أن أحتاج يومًا
إلى كتابتها.








































