ليس شرطًا أن تأتي النتيجة على الصورة التي رسمناها في خيالنا، ولا بالموعد الذي حسبناه بدقة، ولا حتى بالشكل الذي تعبنا لأجله. نحن نُرهق أنفسنا أحيانًا لأننا نُقايض السعي بالنتيجة، ونظن أن التعب إذا اكتمل، فالمكافأة واجبة وفورية. لكن الحقيقة أعمق من ذلك، وأهدأ، وأكثر عدلًا مما نتصور.
نحن مكلَّفون بالسعي، لا بفرض ما ستؤول اليه النهايات . مكلَّفون بأن نمشي الطريق بصدق، وأن نبذل الجهد بضمير حي، وأن نستنفد ما في وسعنا دون أن نكسر قلوبنا على ما ليس بأيدينا. أما النتيجة، فهي شأن إلهي خالص، تُمنح بحكمة، وتُؤجَّل برحمة، وتأتي أحيانًا في هيئة مختلفة عمّا تمنيناه، لكنها أبدًا لا تضيع.
التعب لا يذهب هباءً، حتى حين يبدو كذلك. كل خطوة مشيتها، وكل مرة قاومت فيها اليأس، وكل مرة أكملت رغم ثقل قلبك… كل ذلك محفوظ. قد لا تجده في نفس الباب الذي طرقتَه طويلًا، لكنك ستجده في باب آخر لم تكن تنتبه لوجوده. لأن السعي الصادق لا يُكافأ دائمًا بالوصول، بل أحيانًا بالتغيير.
نحن نُخطئ حين نعتقد أن النتيجة الوحيدة للسعي هي النجاح الظاهر، أو المكسب المباشر، أو الصورة التي يصفق لها الآخرون. بينما الحقيقة أن بعض السعي ثمرته وعي، وبعضه صلابة، وبعضه إنقاذ خفي من طريق كان سيكسرنا لو اكتمل. هناك نتائج لا تُرى، لكنها تُقيمك من الداخل، وتعيد ترتيبك، وتمنحك نسخة أقوى مما كنت.
كم مرة سعيت في أمر ولم يكتمل، ثم أدركت لاحقًا أن عدم اكتماله كان عين العطاء؟ وكم مرة ظننت أن الباب أُغلق عقابًا، ثم اكتشفت أنه أُغلق حماية؟ نحن لا نملك الصورة الكاملة، لذلك نظن التأخير خسارة، ونحسب الاختلاف فشلًا، ونقيس الرحلة بنقطة الوصول فقط.
الله لا يخذل سعيًا خرج من القلب بصدق. لكنه يعلّمنا أن الثمرة ليست دائمًا كما نريد، بل كما نحتاج. قد يعطيك بعد تعبك سكينة بدلًا من صخب النجاح، أو قناعة بدلًا من كثرة، أو طريقًا جديدًا بدلًا من باب أصررت عليه حتى أنهكك. وكلها نتائج، وإن لم تشبه أحلامك الأولى.
“من الآخر كده”، نتيجة سعيك هتلاقيها. هتلاقيها إمّا فيما طلبت، أو فيما صرتَ إليه. هتلاقيها في خبرة، أو في نضج، أو في نجاة لم تنتبه لها وقتها. لا يوجد جهد صادق يضيع، لكن يوجد فهم ناقص لماهية الربح.
السعي واجب، والنتيجة رزق. وما بينهما مساحة اسمها التوكل، تُعلّم القلب أن يعمل دون أن يتعلّق، وأن يتعب دون أن ينهار، وأن يثق أن الله يرى، ويقدّر، ويجزي… حتى حين نصاب نحن بالحيرة.
فاسعَ، وامشِ، وتعب إن لزم الأمر. لكن لا تجعل النتيجة شرطًا لسلامك. اتركها لله، واطمئن. فما كُتب لك سيصل، وما لم يصل لم يكن لك، وسعيك… سيظل شاهدًا لك، لا عليك.








































