ما زلتُ أرى النور، لا بوصفه وهجًا كاملًا يبدد العتمة، بل خيطًا رفيعًا يكفي لأن يدل القلب على الطريق. فالعتمة، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تُقنع من ذاق النور أن الظلام هو الأصل. هناك دائمًا دعوة خفية، قد تكون دعوة أمٍ صادقة في جوف الليل، أو دعوة حبيبٍ ضاقت به السبل فالتجأ إلى الله، أو عملًا خالصًا جرى بين العبد وربه دون شهود. أراه وأؤمن به، لا لأن الطريق سهل، بل لأن الإيمان الحق يولد غالبًا في أصعب المنعطفات. ولعل هذا ما يجعل النور فعل مقاومة هادئة، لا ضجيج فيها، لكنه يصرّ على البقاء.
الإنسان بطبيعته حين يشتد عليه البلاء يسأل: لماذا أنا؟ بينما السؤال الأصدق هو: كيف أكون؟ فالإيمان لا يمنع الألم، لكنه يمنح المعنى. والله تعالى لم يعدنا بحياة بلا مشقة، لكنه وعدنا ألا يضيعنا وسطها، فقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وكأن التكرار هنا طمأنة مزدوجة لقلبٍ يتأرجح بين الخوف والرجاء. ويقول جلّ شأنه: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وهي آية لا تُفهم بالعقل وحده، بل تُعاش بالتجربة، حين نكتشف أن بعض الأوجاع كانت بابًا للنجاة لا ندركه إلا بعد العبور.
نحن مخيرون في اختياراتنا، نعم، لكن النتائج تقع ضمن قدرٍ أوسع، أرحم، وأعلم بما يصلح لنا. القدر ليس قيدًا يكبل الإرادة، بل إطار حكيم يحتويها. وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم : «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير»، حديث يختصر فلسفة كاملة في التعامل مع الحياة؛ فالخير لا يكون فقط في العطاء، بل أحيانًا في المنع، ولا في الفرح وحده، بل في الصبر الذي يعقبه وعي جديد. وهنا تتجلى الحكمة في أن نختار كيف نقف داخل الامتحان، لا أن ننكر وجوده.
لو كُشف لنا الغيب، لاخترنا الواقع كما هو، لأننا سنرى حينها كيف كانت الانكسارات محطات، لا نهايات، وكيف كانت الخسارات جسورًا لعبورٍ لم نكن لنراه بغيرها. وقد عبر نجيب محفوظ عن هذا المعنى بصدق حين قال: "الخوف لا يمنع من الموت، لكنه يمنع من الحياة" وكأن التمسك بالنور هو اختيار واعٍ للحياة، رغم ما فيها من ارتجاف. وقال أيضًا: "آفة حارتنا النسيان" فالنسيان ليس رحمة دائمًا، بل قد يكون سبب تكرار الألم حين نغفل عن دروسه.
أما طه حسين، الذي عرف الألم وعاشه، فقد لخّص جوهر المعاناة والكرامة الإنسانية في قوله الصريح: "إن التعليم كالماء والهواء" وهي جملة لا تتعلق بالعلم وحده، بل بالحق في الفهم، في الوعي، وفي إدراك ما يحدث لنا بدل أن نُسحق تحته. فالفهم هنا شكل من أشكال النجاة، ودرجة أعلى من الصبر.
ويضيف يوسف إدريس لمشهد العتمة بُعده الإنساني العميق حين يقول: "أقسى لحظات الإنسان تلك التي يشعر فيها أنه وحيد، رغم الزحام" وكأن النور الذي نبحث عنه ليس حدثًا خارجيًا دائمًا، بل شعور داخلي بالأُنس الإلهي، يبدد وحدة القلب قبل أن يبدد ظلمة الطريق.
الإيمان الحقيقي لا يعني التسليم السلبي، بل الفهم العميق. أن تعرف أن ما تمر به الآن ليس عبثًا، وأن الحكمة ليست دائمًا في الحدث ذاته، بل في كيفية التعامل معه. هنا تتجلى المسؤولية الإنسانية: أن نختار الصبر بدل السخط، والفهم بدل الاعتراض، والعمل بدل الانتظار العقيم. فالحياة لا تكشف أسرارها لمن يهرب، بل لمن يواجه وهو موقن أن الله لا يضع عبئًا في قلب عبدٍ إلا وقد أودع فيه القدرة على احتماله.
النور الذي نراه وسط العتمة ليس وعدًا بانتهاء الليل فورًا، لكنه دليل على أن الليل ليس أبديًا. هو إشارة صغيرة تقول للقلب: امضِ، فالله معك. وحين نمضي بهذا اليقين، ندرك أن كل ما مر، مهما كان موجعًا، كان يهيئنا لما نحن عليه الآن، وأن الخير الحقيقي قد يتأخر، لكنه لا يضل الطريق أبدًا.
وهكذا نمضي، لا لأن الطريق خالٍ من العتمة، بل لأن في القلب يقينًا لا ينطفئ. نمضي ونحن نعلم أن النور لا يُقاس بسطوعه، بل بقدرته على أن يبقى. وكلما ضاق بنا الدرب، اتسع في داخلنا الرجاء، وكأن الله يهمس للقلوب المتعبة: لست وحدك، وما دام الأمل حيًّا فيك، فلن تكون الهزيمة خاتمة الحكاية.








































