هناك لحظة صامتة، لا تُسمَع فيها الأصوات ولا تُرى فيها الإشارات، لحظة تقف فيها الحياة أمامك بلا ملامح، كأنها تسأل سؤالًا واحدًا قاسيًا:
هل ستكمل… أم ستتوقف عند أول انكسار؟
في تلك اللحظة تحديدًا، تدرك حقيقة مخيفة ومحرِّرة في آنٍ واحد: الحياة لا تعتذر. لا تعود خطوة إلى الخلف لتواسيك، ولا تُعيد ترتيب المشهد لأن قلبك لم يحتمل. هي تمضي، تمضي فقط، ومن يتوقف عنها يخرج من المشهد دون أن يلتفت له أحد.
الحياة لن تعوّضك لأنك انتظرت، ولن تكافئك لأنك توقفت طويلًا أمام ما حدث. التوقف لا يصنع عدلًا، ولا الحزن الطويل يُجبر الخسارة على التراجع. أن تُعلّق حياتك على حادثة، على لحظة، على ما ظننت أنه كان يجب أن يسير بشكل آخر… هذا ليس وفاءً للألم، بل ظلم لنفسك. فالعالم لا يتجمّد عند جرحك، والكون لا يغيّر مساره احترامًا لوجعك، الشمس ستشرق، والليل سيأتي، والدوران لن ينتظر دمعة لم تجف.
العوض لا يأتي وأنت واقف في مكانك. لا يأتي ليبدأ بك الطريق من جديد، بل ليعينك على إكماله. العوض هدية للمُكمِل، لا للمُتجمِّد. يأتي وأنت تمشي، وأنت تتعثر وتنهض، وأنت تُكمل رغم ثِقَل القلب، لا وأنت جالس تُحصي الخسائر وتُطالب الزمن أن يعود ليصحّح أخطاءه. من ينتظر العوض قبل أن يتحرك، سيظل منتظرًا طويلًا.
فكرة أن تُلغي حياتك، أن تُعلّقها، أن تضعها بين قوسين بسبب حدث واحد… فكرة غير صحيحة مهما كان الوجع عميقًا. لأن ما فات لم يكن نهاية، بل درسًا قاسيًا جاء في هيئة خسارة. بعض الدروس لا تأتي على هيئة كلمات، بل على هيئة اختلال، على هيئة شيء لم يعد كما كان، على هيئة فراغ لا يُرى لكن يُشعَر بثقله في كل التفاصيل.
وتأكّد، بعمق اليقين لا بسطحية المواساة، أن كل ما أبعده الله عنك كان الخير لك، حتى لو لم تفهم الآن، حتى لو شعرت أن الفقد كان أكبر من الاحتمال. ليس كل ما نريده يصلح لنا، وليس كل ما نتمسك به يريد لنا النجاة. أحيانًا الرحمة تكون في الإبعاد، واللطف يكون في المنع، والنجاة تكون في الفقد.
الخسارة ليست دائمًا ضجيجًا، أحيانًا تأتي في صمت، في تراجع الشغف، في انطفاء شيء كنت تظنه ثابتًا، في إحساس داخلي بأنك لم تعد كما كنت. تخسر فكرة، أو طريقًا، أو نسخة قديمة منك، وتظل واقفًا تتساءل: متى حدث هذا؟ دون إجابة واضحة. وهذا هو قسوة الخسارة الحقيقية، أنها لا تطرق الباب، بل تدخل بهدوء وتترك أثرها ثم تمضي.
لكن الأخطر من الخسارة نفسها، هو أن تسمح لها أن تُعرّفك، أن تختزل حياتك في لحظة ألم، أو تجعل ما حدث سقفًا لما سيأتي. الحياة أكبر من حدث، وأوسع من جرح، وأعمق من تجربة واحدة مهما كانت قاسية. وما انكسر فيك لا يعني أنك انتهيت، بل أنك عرفت جانبًا لم تكن تراه من قبل.
لا تطلب من الحياة اعتذارًا، فهي لا تعرف هذه اللغة. ولا تنتظر تعويضًا وأنت ثابت، فالعوض يعرف الطريق إلى الساعين فقط. كمل… حتى وأنت مكسور، كمل… حتى وأنت لا تفهم، كمل… لأن الوقوف ليس حيادًا، بل خسارة إضافية. الحياة لن تعتذر، لكنها دائمًا تفتح طريقًا جديدًا لمن يملك الشجاعة أن يسير.
وربما في يومٍ ما، دون إعلان، ودون علامة واضحة، ستلتفت خلفك لتكتشف أن ما ظننته خسارة كان مجرد مساحة أُفرغت عمدًا، وأن الطريق الذي كملته مثقلًا هو ذاته الذي أنقذك. وربما لن تشعر بالانتصار، ولن تفرح كما توقعت، فقط ستعرف… أن شيئًا ما لم يعد يؤلمك، وأن الحياة، في صمتها المعتاد، كانت تفعل ما تفعله دائمًا: تمضي، وتتركك تمضي معها، دون وعد، ودون اعتذار.








































