ما زلت أرى — رغم كل ما مررت به — أن أصعب ما يؤلمني هو هذه الفطرة التي في داخلي: أنني أحبّ الناس.
أحبّهم بصدق، بلا حسابات، بلا نوايا خفية، وبقلب يميل دائمًا إلى الخير قبل أن يفكر في العواقب.
لا أستغل أحدًا، ولا أستعطف أحدًا، ولا أطلب من الدنيا سوى ألا تُطفئ هذا الجزء الطيب مني، ذلك الجزء الذي تعبت من حمايته، ومع ذلك يتمسك بي أكثر كل مرة أحاول فيه أن أصبح "أقسى".
لكن الحقيقة أنني تضررت… تضررت كثيرًا،
ليس لأنني ضعيف، بل لأن قلبي لم يعرف يومًا كيف يخون طبيعته.
كبرت دائرتي حتى صارت أكبر مما أستطيع حمله، وتشابكت علاقاتي حتى ضاعت ملامحي في منتصفها، وكأنني أبحث عن نفسي بين أصوات كثيرة لا يشبهني أغلبها.
كنت أعطي… وأعطي… وأعطي.
أعطي وقتي، وحضوري، واهتمامي، وأتظاهر بأنني لا أريد مقابلًا، لكن في داخلي كنت أحتاج مجرد شعور: أن هناك من يلتفت لوجعي دون أن أنطق، أن هناك من يفهمي كما أنا، لا كما أبدو.
وحين جاء اليوم الذي امتدت فيه يدي طلبًا للعون، رُفضت.
تجاهلني من اعتبرتهم سندًا،واعتذر من ظننتهم "الملاذ".
وغادر البعض دون كلمة… كأن وجودي لم يترك في حياتهم أثرًا، وكأن كل ما قدمته كان يذوب فورًا بعد أن يخرج من يدي.
وما آلمني ليس الغياب فقط، بل الإدراك المفاجئ أنني كنت أثق في أوهامٍ لبست وجوه البشر.
لا أقول إن الجميع هكذا، فبعض القلوب لا تزال بيضاء، لكنني خسرت كثيرًا.
وخسرت أول ما خسرت… علاقتي بنفسي.
وحين عدتُ إلى داخلي — بعد أن أنهكتني الخيبات — وجدته هشًّا، مثل بيت غمرته العواصف لسنوات، كل من دخل حياتي أخذ قطعة من جداره ورحل، حتى أصبحت أرى نفسي ناقصة دون أن أعرف أين ذهب النقص بالضبط.
ولم أحاسب أحدًا… لأنني أدركت أن الخطأ عندي.
كنت أُعطي أحيانًا لمن لا يستحق، وأغفر سريعًا لمن لا ينوي التغيير، وأتحمل ما لا يحتمل فقط لأحتفظ بصورة طيبة في عيون الآخرين، حتى لو كان ذلك يعني أن أكسر قلبي لأجلهم.
وأفهم الآن معنى ما قاله أحمد بهجت حين تحدث عن أن المشكلة ليست في الحب نفسه بل فيمن نمنحه له…
فقد أدركت أنني أحببت في غير موضع، وجعلت بعض البشر أكبر من حجمهم.
وأتذكر ما لمح إليه مصطفى محمود بأن الطيبة تتحول إلى عبء حين تُوهب لمن لا يفهم قيمتها،
وأنا — دون قصد — كثيرًا ما أهديتها لمن كان يراها أمرًا عاديًا، لا جميلًا.
واليوم… أشعر أن الوقت قد حان.
أحتاج إلى راحة، إلى هدنة مع العالم،
إلى مساحة أتنفس فيها بعيدًا عن التزاماتي العاطفية تجاه الجميع، بعيدًا عن محاولة إنقاذ الآخرين بينما أنا أغرق.
أحتاج أن أرمم ما كُسر داخلي، أن أعيد ترتيب فوضاي، أن أقترب من نفسي التي تركتها طويلًا واقفة عند حافة التعب.
أريد أن أعتني بي…
أن أحبني بالطريقة التي تمنيت أن يحبني بها الآخرون، أن أكون سندًا لنفسي قبل أن أكون سندًا لغيري، أن أُمسك بيدي بدل انتظار يدٍ مجهولة تمتد ولا تأتي.
أستحق أن أُعامل بقدر ما أحمل من صدق،
وأستحق أن أعطي نفسي كما أعطيتها للعالم كله، وأستحق أن أتعلم من كل ما مررت به دون أن أفقد قلبي الذي لا يشبه أحدًا.
لن أتغير… لكني سأحمي نفسي.
لن أغلق قلبي… لكن سأُحسن اختيار من أفتح له الباب، وأُدرك أن الدخول إلى حياتي شرف، لا عادة.
وسأعود يومًا — حين أكتمل من جديد — أعمق، أنقى، وأقوى، دون أن أفقد طيبتي، ودون أن أسمح لأحد أن يستنزفها، وسأعود وفي داخلي قناعة واحدة…
أن حماية النفس ليست أنانية، بل ضرورة،
وأن الحب الذي أبحث عنه يبدأ من الداخل… مني أنا.








































