آخر الموثقات

  • شبابيك
  • ولا مساس؟
  • منك وإليك
  • العميقين
  • الحنين ذكرى
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. المدونات الموثقة
  4. مدونة سلوى بدران
  5. كراكيب قديمة
⭐ 0 / 5

   تفتح دولاب ملابسها، تضع حقيبة السفر على سريرها، وتنتقي من الدولاب بعض أثواب لها، تقف للحظة؛ لتفكر فيما ستفعله. لايجد عقلها مبررًا قويًّا لذلك القرار الذي اتخذته، خاصة وقد تأخر كثيرًا، ولا تعرف لماذا يحدث لها ذلك الآن؟ ربما بعد أن خلا البيت من ابنيها منذ وقت قصير ؛ كانت تشعر، وكأنها كانت مغيبة عمرها كله، والآن تفتح عينيها فجأة، فتتمنى أن تتحرر من قيد الماضي وسطوته. تفكر في كلمات ابنتها، حين فتحتْ لها قلبها مرة بما تريد أن تفعل، قبل أن تترك البيت؛ لتتزوج ممن أحبت، منذ شهور مضت.

- لماذا تريدين أن تفعلي ذلك اليوم يا أمي؟! كان الأجدر بكِ أن تفعلي ذلك منذ سنوات مضت، ربما كنت استطعت أن تفوزي ببعض سنين من حياتك تعيشينها كما تحبين، لماذا الآن بعد أن مضى الكثير من العمر وتغير الحال؟! وأصبحت كل الخيوط في يديكِ؟! نعم، هي في يديكِ الآن! أنتِ وحدكِ فقط التي لا ترين ذلك؛ لأنكِ أصبحتِ كالسجين الذي لم يعد ير ى بوابة السجن التي صارت مفتوحةً على مصراعيها؛ لأنَّه لا يزال متكومًا على نفسه في أحد أركانها؛ ولأنَّه يعيش سجنًا داخليًّا تعود عليه، ولا يستطيع أنْ يرى نفسه خارج حدود تلك الأسوار ؟! لماذا لا تبدأين من جديد، وترفعين عن كاهلكِ الماضي بقسوته، وتقبلين يده الممدودة لكِ؟!

   تفكر في الكلمات وهي تشعر فقط بأنَّ الإناء فاض، وأنَّها لم تعد تحتمل، وتشعر بدقات قلبها أعنف، فتملأ الحقيبة بكل ملابسها، وهي تمسح حبات دموع لا تدري، إن كانت بعضًا مما فاض به قلبها، أم تأتي من الإحساس بالرغبة في الراحة والانعتاق بعد سنين من القلق والتحمل؟ أي سنين تلك التي كان من الممكن أن أفوز بها وأعيشها وحدي؟ وكيف؟

تتذكر تلك المساءات التي كان يأتي إليها فيها محملًا برائحة إحداهن، هي وحدها التي كانت تدرك ذلك، تعرفه من ملامح وجهه، وتقرأه في نظرات عيونه، وفي الكلمات القاسية، التي كان يقذفها في وجهها، إن تكلمت، أو اعترضت، أو تخففت مما في صدرها حين تجده يضغط عليها كل يوم، ويشعرها بالضآلة؛ لتنكمش حتى تتكوم أخيرًا في أحد أركان حياته، كما أراد هو بالظبط. يغلق عليها القفص مع ولديها، فيمنع عنها كل شيء، يمكن أن يفتح لها بابًا للتمرد، وكل شيء له مبرراته المقنعة عنده يسفه من إمكانياتها العلمية، وفهمها للحياة، والبشر، وكأنما هي طفلة لا تزال تحبو على وجه الدنيا، ستتعثر حتمًا، إن هي خرجت من بيتها، حين تطلب منه أن يسمح لها بالعمل، ثم يقفز فوق حبال الأمومة الحريرية داخل صدرها، ليجعلها هي التي ترفض الفكرة من منبتها. يرفض أن تزور صديقات لها، أو أن تُزار، فمثلهن يحسدن حياتها المرفهة معه، ويفسدنها. يقصقص ريشها، ويرسم لها طريقًا واحدًا لا تتعداه أبدًا، ليصبح لديه متسعٌ من الحياة يعيشه وحده كما يشاء؛ ليعود للقفص متى شاء، فيجدها دومًا هناك. يشعره وجودها بأنَّ كل شيء على ما يرام كما أراده بالظبط، خاصة بعد تلك المرة التي لم تكررها قط، حين أعادها أبوها إليه، وقت لجأت إليه مع ولديها؛ ليحمي كرامتها التي تراق على فراش النساء الأخريات. أدرك يومها بأنَّ طائره لم يعد قادرًا على الطيران بعد أن نتف ريشه، وضمن بقاءه في قفص حياته للأبد. تتذكر كلمات أبيها حين لجأت إليه وقتها، وهي تشعر برجفة كسرة قلبها، كأنَّه اليوم، حين أخذت تجر خيبتها، كما تجر طفليها خلفها، إلى نفس القفص بإرادتها تلك المرة، حين صدمتها كلمات أبيها، ورأت عيونه تحبس دمعًا لأول مرة، حين قال: إنَّ بيتها أَوْلَى بها ما دام هو لا يقصر في الإنفاق عليها وعلى ولديها.

- اقصري الشر يا ابنتي، ربنا يهديكِ، ماذا أستطيع أن أفعل لك، بعد أن أحاطتني الشيخوخة بأصابعها القاسية، وهم يلقون لي كل أول شهر بمعاش، لا يكاد يسترنا أنا وأمك. وإخوتك يغلقون أبواب حياتهم على أولادهم، ولا يمدون أيديهم لأحد؟!

   ترضى بالنصيب، كما تنصحها أمها، وتحاول أن تطوي سنين حياتها على ولدها، وابنتها وهي تحاول في كل يوم جديد يأتي أن تتعود على القفص الذهبي الذي يحتويها، وتأبى أن تضيف لدائرة حياتها أطفالًا آخرين، رغم إلحاح زوجها عليها، فكأنما نضب رحمها، وتوقفت حياتها التي لم تعد ترى لها بها فرحة حقيقية، إلَّا على وجه طفليها وحدهما. تفكر للحظة في المكان، الذي يمكن أن تأوي إليه . هي لن تستطيع أن تفرض نفسها على حياة ابنتها وزوجها، وولدها طار منذ زمن بجناحيه؛ ليصنعَ له حياة جديدة في بلد بعيدة. تقاسمه حياته فيها زوجة أجنبية. وإخوتها أغلقت حياتهم القاسية حدودها عليهم، فصاروا أكوانًا منفصلة. يمرُّ العام، ربما لا يتزاورون، بعد أن كان يجمعهم بيت العائلة، ويلم شملهم وقت كان والداها على قيد الحياة. تتوقف للحظة، وهي تفكر في بيت العائلة، شقة والديها في الحي الشعبي الذي وُلِدَتْ فيه، تلك التي كان يعيش بها أخوها الصغير لفترة، ثم تركها ليملأها التراب، والوحشة، تستطيع أن تأوى إليها.

    تلملم القطع الذهبية التي أهديت إليها في مناسبات متعددة، وشبكتها التي احتفظت بها بحرص شديد داخل علبتها القطيفة الحمراء، ثم تضعها داخل حقيبة يدها. تعرف أنها سوف تحتاج إليها بشدة، لن تمد يدها لأحد. هي تحتاج إلى هدنة طويلة مع الحياة، لتفكر وحدها، فيما ستفعله في سنين عمرها القادمة. تشعر وكأنَّها فراشة تطير بجناحيها لأول مرة، خارج حدودها، و بأنَّها تملك عمرها القادم، وحدها. تستطيع الآن أن تفكر فيما تريد، وتحب. يدب القلق داخل قلبها عندما تفكر وماذا بعد ذلك؟ تفكر بقلق بأنها سوف تجد عملًا يناسبها بالتأكيد .تغلق حقيبة السفر حين تمتلئ بكل أشيائها الأثيرة إليها. تفتح بعض الأدراج لتتأكد أنها لم تترك أشياءَ غالية على قلبها قبل أن تغلق الدولاب وترحل.

تتعلق عيناها بألبوم صور العائلة، الذي كانت تحتفظ به في أحد الأدراج، ولم تنتبه إليه، تشده إليها، تفتحه، وهي تشم رائحة قديمة، نسيتها، وطالما جذبتها. تأخذها من أفكارها، وتشد حنينها لتلك الأيام رغم قسوة بعضها، تدقق في ملامح ولديها، التي نسيتها من زمن، والبراءة التي تقفز من عيونهم، وهم لايزالون حمائمَ صغيرة يمدون لها أيديهم؛ لتحتويهم بحنانها .ترى صورًا لكل أفراد العائلة. تلمح في عيون زوجها الباسمة في إحدى الصور_ وقت كان ولداها أطفالًا صغارًا ما زالوا _ نظرة لم تلتفت إليها من قبل، وهو يقف في خلفية الصورة، يحيطهم بذراعيه، وكأنما يحميهم، ويزهو بما يمتلك. ترى صور زفافها، وعيونها التي كانت تنطق يومها بالسعادة، والفرح، تلمح سعادة من نوع خاص فوق ملامح زوجها، تتابع حياتها فوق صفحات ألبوم الصور، وكأنها تراها من جديد، وتقرأ نظرات عيني الرجل، الذي تشعر، وكأنما لم تعرفه كما يجب، من جديد تشعر بسخونة دمع فوق وجنتيها، وقلبها يرفرف بشدة، وهي تستعيد كمًّا هائلًا من الذكريات، التي اختلط بها الفرح، بالحزن، بالراحة والضيق، بأيام تتمنى أن تنساها، وأيام أخرى محفورة بالفرح في ذاكرتها للأبد. تتغير الملامح في الصور بتتابع السنين، وكأنما تختزل سنين الحياة كلها في عدة صور، وتلمح لمسات الزمن القاسية على وجه زوجها جلية، وكأنما تراها لأول مرة. تلمح انكسارًا تدريجيًّا في نظرات عينيه، التي تبدو في صوره ا لأخيرة، ليبدو مهزومًا فجأة، وكأنَّه أصبح أسدًا عجوزًا، سقطت أسنانه في مواجهة ظالمة مع الحياة، حين يترك العمر بصماته على جبينه ووجهه، وشعره الذي خالط بياضه سواده، وطغى عليه فجأة، تفكر في كلام ابنتها من جديد . تتأمل صور زفاف ابنتها منذ شهور مضت، لترى فرحة على وجهه من نوع آخر، فرحة الحلم الذي اكتمل، وفرحة الانتصار في وجه الحياة، التي كانت تلهبهم بسياطها كما كانت تقذفهم بورودها معًا.

مسحت دموعها، وهي تغلق ألبوم الصور، وقلبها يشتعل داخله كل الأحاسيس التي خبأتها منذ زمن، تتركها تخرج، وكأنها تفتح قلبها لشمس الصيف، تلتفت لزوجها حين يناديها، فتلمح ملامحه الحائرة، وتلحظ رعشة خفيفة في يديه، وحركة قدميه الوئيدة كيف لم تلحظ ذلك من قبل؟ كانت نظراته إليها مشبعة بالخوف، بدت وكأنها نظرات طفل يخشى أن تتركه أمه، وترحل ويرغب بشدة أن تبقي ليتعلق بثوبها، ترى ملامح أبيها، ترتسم على وجهه؛ فترفع حقيبة السفر تضعها جانبًا، وهي تفكر هل كان ماستفعله حقيقيًّا، أم أنَّه مجرد حلم لم يتحقق مثل أحلام كثيرة في حياتها؟ تشعر بمشاعر مختلطة تدب في قلبها، وحين يسألها بقلق عن تلك الحقيبة، تقول له: إنَّها تمتلئ بكراكيب قديمة.

 

أحدث الموثقات تأليفا
شبابيك

منك وإليك

ولا مساس؟

الحنين ذكرى

اعرف كل ما سبق

العميقين

الصفحة الأخيرة - شهقة اكسجين

انا نفسي

فما أغرب من راغب في إزدياد

حين تبتلعنا الأكذوبة
أكثر الموثقات قراءة
إحصائيات متنوعة مركز التدوين و التوثيق

المدونات العشر الأولى طبقا لنقاط تقييم الأدآء 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية) 

الترتيبالتغيرالكاتبالمدونة
1↓الكاتبمدونة غازي جابر
2↑2الكاتبمدونة ايمن موسي
3↓الكاتبمدونة حسين درمشاكي
4↓-2الكاتبمدونة نهلة حمودة
5↑1الكاتبمدونة اشرف الكرم
6↓-1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب
7↓الكاتبمدونة محمد شحاتة
8↑1الكاتبمدونة حاتم سلامة
9↑1الكاتبمدونة نجلاء البحيري
10↓-2الكاتبمدونة هند حمدي
 spacetaor

اگثر عشر مدونات تقدما في الترتيب 

(طبقا لآخر تحديث تم الجمعة الماضية)

#الصعودالكاتبالمدونةالترتيب
1↑19الكاتبمدونة شيماء حسني225
2↑17الكاتبمدونة رشا ماهر137
3↑13الكاتبمدونة محمد بن زيد135
4↑13الكاتبمدونة مريم فرج الله 243
5↑11الكاتبمدونة محاسن علي166
6↑10الكاتبمدونة عبد الحميد ابراهيم 71
7↑10الكاتبمدونة هبه الزيني142
8↑8الكاتبمدونة جيهان عوض 239
9↑7الكاتبمدونة سلوى محمود112
10↑6الكاتبمدونة عزة بركة19
11↑6الكاتبمدونة بيان هدية140
12↑6الكاتبمدونة هاميس جمال158
 spacetaor

أكثر عشر مدونات تدوينا

#الكاتبالمدونةالتدوينات
1الكاتبمدونة نهلة حمودة1139
2الكاتبمدونة طلبة رضوان769
3الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب713
4الكاتبمدونة ياسر سلمي682
5الكاتبمدونة اشرف الكرم640
6الكاتبمدونة مريم توركان573
7الكاتبمدونة آيه الغمري515
8الكاتبمدونة فاطمة البسريني441
9الكاتبمدونة حنان صلاح الدين435
10الكاتبمدونة حاتم سلامة429

spacetaor

أكثر عشر مدونات قراءة

#الكاتبالمدونةالمشاهدات
1الكاتبمدونة محمد عبد الوهاب387597
2الكاتبمدونة نهلة حمودة250328
3الكاتبمدونة ياسر سلمي218481
4الكاتبمدونة زينب حمدي183842
5الكاتبمدونة اشرف الكرم160718
6الكاتبمدونة سمير حماد 128239
7الكاتبمدونة مني امين123715
8الكاتبمدونة حنان صلاح الدين120663
9الكاتبمدونة فيروز القطلبي116897
10الكاتبمدونة طلبة رضوان116892

spacetaor

أحدث عشر مدونات إنضماما للمنصة 

#الكاتبالمدونةتاريخ الإنضمام
1الكاتبمدونة ليلى سرحان2025-12-12
2الكاتبمدونة اسماء خوجة2025-11-08
3الكاتبمدونة مريم الدالي2025-11-05
4الكاتبمدونة محمد خوجة2025-11-04
5الكاتبمدونة جيهان عوض 2025-11-04
6الكاتبمدونة محمد مصطفى2025-11-04
7الكاتبمدونة حسين العلي2025-11-03
8الكاتبمدونة داليا نور2025-11-03
9الكاتبمدونة اسراء كمال2025-11-03
10الكاتبمدونة علاء سرحان2025-11-02