في مقالنا السابق لم يستوعب كثير من الأصدقاء رأيي في أمير الشعراء وإنزاله من ساحة البطولة إلى ساحة البشر العاديين.
كنت أعرف أن لمسات النقد التي ذكرتها لن يتقبلها البعض، ولن يستسيغ رؤيتها، وذلك لما طُبع في أذهانهم من حداثتهم أنه أمير الشعراء الذي لم يجد الزمان بمثله.
لكنني فوجئت بما هو أبعد من ذلك وأخطر، فقد وجدت من رفعه إلى مقام الصحابة والمبشرين بالجنة، حتى أن بعض أحبتي قال وبالحرف الواحد: إننا إذا ذكر أمير الشعراء لا يجب إلا أن نقول: رضي الله عنه.
عجبا هكذا وفي لمحة خاطفة نسوي مقام الرجل بالصحابة الأماجد، والحجة كانت في الشيخ الشعراوي رحمه الله فهو أول من أطلق هذه المنقبة على أمير الشعراء.
ولكن هذا لا يعني أن الشيخ الشعراوي على صواب، فالرجل صوفي ومحب لآل البيت، ومجرد قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي التي مدح فيها الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم وسريانه على نهج بردة البوصيري، هو ما جعل الشعراوي ينصب الرجل في هذه المكانة العظيمة.
لقد عرفت في سيرة شوقي أنه كان معاقر للخمر، ونحن لا نعيره بذنب فيه فكلنا أصحاب ذنب، ولكن من العيب أن أنعت معاقرًا للخمر بما أنعت به الصحابة الكرام.
كما انتشرت في الآونة الأخيرة أخبار عجيبة غريبة لم نسمع بها من قبل، وفي نفس الوقت لا نستنكرها، ولكن للمرة الثانية نجد من يتقول بها ويروجها عالم صوفي على نفس نهج ومسار الشيخ الشعراوي.
وأجدد تأكيدي بأنني لا أكره أمير الشعراء، فأنا أكثر الناس إعجابا بأدبه وفنه ونظمه.
وأراه موهبة لن تتكرر في مشهد الحياة وعلى مستوى النابهين والمبدعين.
لكنني أكره الغلو وأمقت التطرف في المشاعر والعواطف، التي تدل في المقام الأول عن جهل بحدود الثقافة وأبعاد التقييم المعرفي.
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم وهو عالم الحديث الصوفي، خلال لقائه مع الإعلامية «قصواء الخلالي»، في برنامج «أحاديث الفتنة»،: إن أمير الشعراء أحمد شوقي بُشر بالحسنى خلال مرضه الأخير قبل وفاته.
حيث ذهب إليه شيخ الأزهر وهو في مرض الموت، وأخبره أنه مبعوث من الرسول، وقال له: الرسول جالى في الرؤيا وقالي قول لأحمد شوقي: أنا في انتظارك"
ثم يقول هاشم:
رؤية شيخ الأزهر لأمير الشعراء كان بمثابة علامة على رضا الله عنه، وعلامة على شفاعة الرسول له على ما كتب من قصائد ومدائح في حق الرسول، والذي قال عن مدحه للرسول، «لي في مَديحِكَ يا رَسولُ عَرائِسٌ تُيِّمنَ فيكَ وَشاقَهُنَّ جَلاءُ.. هُنَّ الحِسانُ فَإِن قَبِلتَ تَكَرُّمًا فَمُهورُهُنَّ شَفاعَةٌ حَسناءُ».
وما يضيرنا من هذه الرؤيا التي تحمل البشري للشاعر الكبير، فعلاقة العبد بربه سريرة لا يعرفها أحد.
لكنني أعود وأكرر مرة أخرى: الرجل كان بشرا عاديا له صوابه وأخطاءه، كان يشرب الخمر، وكذلك كان يمتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هو موهوب ونابغة ورائع، لكنه لم يعد في صورته إلا أن يكون مثيلا لهؤلاء الشعراء القدامي الذين كانوا يتكسبون بالشعر، فيمدحون ويثنون طبعا في الجزاء، ويهجون ويسبون طمعا في إرضاء السلاطين.
هو رجل موهوب وله لمساته الإسلامية وشعره الذي بعث بأجمل وأبها معاني الإسلام، وهذا مما يحسب له، لكننا أبدا لا يمكن أن نحذف من عقولنا ونحن نقيمه على المستوى الإنساني هذه الهنات التي ذكرتها من خذلانه لقضايا بلاده ومحن شعبه وأمته، وإرضائه السياده وأصحاب نعمته، ومدحه للجلادين السفاحين الذي أراقوا دماء الشعب كما فعل مع بطرس غالي باشا جلاد دنشواي الكبير.
شوقي شاعر كبير وملهم موهوب.. لكن أن نقول: إذا ذكر شوقي فلا يجب إلا أن نقول رضي الله عنه، فهذه كبيرة جدا تفوق حدود الرجل.
بل أرى أن أول من ينعت بها رجل كالعملاق العقاد، الذي قيل عنه: إنه أفضل من كتب عن الإسلام في القرن العشرين ودافع عنه.
ولكنه مع هذا كانت له مواقفه المخزية كنصرته لطه حسين في قضية كتابه الشعر الجاهلي..
وما زلت أقول: إن الإبداع شيء والعظمة والبطولة شيء آخر ، فلا يجب على العقول الواعية أن تخلط بين الأمرين وإلا وقعت في الحرج.
ثم يكيدني بعضهم في قوله:
ولكنه يبقى أمير الشعراء.. وكأنه قد فهم من كلامي أنني أهدم قامة الرجل وموهبته، مع أنني اعترفت بسيادته المطلقة شعرا وأدبا.
بالمناسبة ... مسألة شرب شوقي للخمر معروفة معلومة كل أبناء جيله يعرفها، وليست أبدى مما استوحيته من قصيدته في شهر رمضان المبارك:
رمضان ولى هاتها يا ساقي**مشتاقة تسعى إلى مشتاق.