منذ بضعة أيام طرحت مقالا يحمل رؤية ظننتها جديدة حسب فهمي وظني، ولكن تعليقات بعض القراء من أصدقائي جعلتني أستفيق وكأنني بنيت كلامي على وهم وهراء.
وذلك حينما صرحت بأن أم كلثوم أديبة، لما كان لها من مشاهد التذوق السليم وعشقها لعيون الشعر العربي والتغني بتراثه القويم، وعكوفها مع رامي على قراءة الأغاني كاملا، ومختارات البارودي، وديوان شوقي، وكثير من الشعراء العرب القدامى وتدخلها في تصويب بعض القصائد التي تتناغم مع ذوقها، وهو عمل لا يستسيغه إلا محب للشعر فاهم له، وأعلنت في هذا المقال ما فزع له كثير من الأصحاب وكأنني تبنيت أو دعوت إلى نظرية محدثة منكرة في عالم الثقافة والمعرفة، حينما قلت:
ان محب الأدب ومتذوقه هو أيضا أديب، وأن عملية الأدب لا تكتمل إلا بالمبدع والمستمع المتذوق، وإذا لم يوجد الثاني لما وجد الأول... وخلصت إلى أن القارئ المحب للأدب وصاحب الذوق الرفيع فيه، هو كذلك أديب حتى ولو لم يكن مبدعا.
فاجأني صديقي الحبيب أديبنا العالي د- منير لطفي بتعليق يقول فيه: (للأديب تعريف مستقر، ولا أرى ضرورة لإقحام ما ليس فيه بحسن نية وبعض حماس.. فالقارئ يظل قارئا ما لم يحدث بقلمه، على اعتبار أن الأديب محدث حسب تعريف العقاد.)، والحق أن تعليق وكلام أخي الدكتور منير أصابني بالرعب، لا لاعتراضه علي ولكن لأنه أدرج اسم العقاد الذي حول كلامي إلى عبث.
ومرت الأيام وتناسيت الحدث والكلام، مع إيماني الشديد بوجهة نظري، حتى ولو خالفت رأي العقاد العملاق، ثم أبحرت في قراءاتي الأدبية، حتى وجدت ما يدعمني من الكتاب، بل كانت المفاجأة أنه ليس مجرد كاتب، بل هو إمام من أئمة الشعر واللغة والبيان والنقد، وهو العلامة الراحل د(محمد رجب البيومي) ففي كتابه قطرات المداد وتحت عنوان (عمر بن الخطاب أديبا وناقدا)، تبنى نفس وجهة النظر التي قلت بها، ونفس الدواعي وأخذ يرصد تذوق عمر بن الخطاب رضي الله عنه للشعر ودرايته بمعانيه، ومعرفته الجيدة للشعراء، ورصد البيومي ذائقته القوية، التي جعلته يهتم بالجانب الشعري اهتماما كبيرا، ومن ثم جعله أديبا لمجرد هذا التذوق، ونحن نعرف أن عمر لم يكن يقول الشعر ولم ينطق به.. فهل يا ترى كان ما يذكره البيومي مجرد حماسة وعاطفة لعمر رضي الله عنه.؟!
إذن أرى أن وجهة نظري قد انتصر لها العلامة البيومي، وأثبت أن الذائقة للقارئ تمنحه كذلك ليشارك الأديب في الاسم والصفة، مع اختلاف الإجراء والطريقة.
ومما ورد في كتاب البيومي الذي لا يمكن الاستغناء عن الرجوع إليه في هذا الامر لكثرة ما ذكر من استشهادات، نقول نحن الان ببعضها موجزين: كان عمر رضي الله عنه واسع المحفوظات من جيد الكلام حتى قال الجمحي: " ما عرض لابن الخطاب أمر إلا استشهد بالشعر" ولاحظ هنا قوله: استشهد ولم يقل نظم وهناك فرق كبير بين الجملتين، ثم يوقل البيومي، ورجل يملك هذه الثروة من القوافي لابد أن يكون ذا ولوع بالمعاني الجيدة، والأساليب الرائعة، فهو ينظر فيما يسمعه نظرة الباحث الناقد، ثم يحفظ ما يروقه ويعجبه، مستشهدا به في موضعه، مثنيا على صاحبه بما يستحق من تقدير"
طرح البيومي كلاما هائلا واستدلالات قوية على وجود الذائقة الأدبية لدى أمير المؤمنين، فيقول: إن هذه الذائقة كانت سبب إسلامه، فما أن سمع سحر البيان القرآني حتى خشعت نفسه خشوعا لم يعرفه من قبل، وما ذلك إلا لشدة تذوقه لروعة البيان.
بل يقال إنه ما اصطفى ابن عباس إلا لعلمه وبراعته في الدراية بالشعر وأنهما كانا يختليان الساعات الطويلة يتناشدان ويتطارحان.
بل كان من شدته تذوقه الأدبي أنه كان يكره الشعراء الذين يذمون الإسلام كرها عظيما، ويبغضهم بغضا لا يماثلهم فيه مثلهم من نفسه، حتى أن كراهته لأحدهم قد امتدت حتى بعد إسلامه، فقد كان أبو شجرة بن الخنساء شاعرا ، وارتد عن الإسلام وأخذ يحرض على المسلمين، وكان مما قال:
فروّيت رمحي من كتيبة خالد* * * و إنّي لأرجو بعدها أن أعمّرا
ثم لما أخفق ورأى الناس يرجعون للإسلام رجع معهم وقبله أبو بكر، ولما كان في خلافة عمر جاءه يطلب منه مالا لفقره وحاجته، فقال له عمر من أنت؟ فلما عرفه صاح: أي عدو الله ! ألست القائل:
فروّيت رمحي من كتيبة خالد* * * و إنّي لأرجو بعدها أن أعمّرا.!
ونأتي فيهذه القصة المشهورة التي يرويها القاصي والداني في عدل عمر وإنصاف عمر، ولكنهم للأسف تناسوا أن يرمزوا بها إلى ذائقة عمر .. والقصة هي قصة المرأة التي غاب عنها زوجها وحينما خرج عمر يعس حال الرعية ليلا فمر ببابها وسمعها تقول:
تطاول هذا الليل واخضل جانبه
وأرقني ان لا خليل ألاعبه
ألاعبه طورا وطورا كأنما
بدا قمر في ظلمة الليل حاجبه
فوالله لولا الله لا رب غيره
لحرك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يصدني
وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
ثم دخل على حفصة ابنته أم المؤمنين رضي الله عنها فقال: أي بنية كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالت: شهرا واثنين وثلاثة وفي الرابع ينفد الصبر، فجعل ذلك أجلا للبعث، بأن لا يغيب الجند عن زوجاتهم اكثر من هذه المدة.
هكذا كان عمر رضي الله عنه أديبا لمجرد ذائقته وحبه للشعر والأدب ومحاسن القول، ولم يكن من الشعراء والخطباء والناظمين، ومع هذا كله فقد جعله البيومي أديبا منتصرا لنظرية الذائقة الأدبية، التي جعلت أم كلثوم من بعده أديبة.