لم يكن بريد الشباب الذي تولى تقديمه الأستاذ (عبدالوهاب مطاوع) في جريدة الأهرام، بمثابة هوى صحي أو لون جديد ومختلف من ألوان الصحافة، يخوض ميدانه صحفي متمكن، وكاتب مقتدر، ومثقف ضليع، وإنما كان في حياته تحولا كبيرا، ومحطة جديدة أثرت على كينونته وغيرت مسار ثقافته، بل وأثرت حتى على مشاعره وجهده ووقته.
لقد كان مطاوع مجرد كاتب مثقف ومجتهد، فإذا به ينفتح فجأة على المجتمع ومشكلاته وبقوة، والذي لم يكن انفتاحا بقدر ما كان شعورا بالأمانة، التي دعته أن يتسلح بالعلوم المتنوعة، حتى يقدم الحلول المناسبة والصحيحة، ويضع يده على أساس الداء في كثير من القضايا والمشكلات الحياتية للناس.
ومن هنا نجح عبد الوهاب مطاوع في تقديم هذا اللون الرائع والصعب، الذي لا يخوضه إلا حكيم ومثقف ومصلح، وكان لجريدة الأهرام مكانتها الكبيرة بما يقدمه مطاوع على صفحاتها، والذي كان مختلفًا عن كثير ممن قدموا مثل هذا الباب، نظرًا لتفرده وفهمه، وثقافته الكبيرة واطلاعه الواسع.
كثيرون من كتبوا في هذا الباب، ولكن هيهات هيهات، فهل نجحوا كما نجح مطاوع، وهل أثروا في المجتمع كما أثر مطاوع؟
ربما يكون الفارق هنا في الثقافة الواسعة، والأسلوب الأدبي الرحيم، ولكن لاشك أن بعد النظر وخبرة الحياة، والحكمة التي ميزته، هي التي صنعت هذا الفارق الكبير بين مطاوع وغيره ممن ولجوا هذا الميدان في علاج المشكلات والقضايا الإنسانية في حياة الناس والمجتمع.
ماذا فعل باب بريد الجمعة في عبد الوهاب مطاوع والذي دعاه يومًا أن يشكو أو بمعنى أدق يفضفض مع القراء عما أحدثه هذا الباب في حياته وثقافته من تغيير.!
شاء الله أن يلقى هذا الباب القبول عند القراء، ولكنه هو من دفع ثمن هذا القبول من صحته وأعصابه، وبريق عينيه راضيًا بما يدفع وسعيدًا بما حصد منه.
لقد تغيرت أشياء كثيرة في حياته حسب تعبيره، من خلال أكثر من عقد من الزمان عمل فيه في هذا الباب، وقد كان قبل العمل به، كانت قراءاته في الأدب العربي والعالمي والتاريخ والفلسفة، أكثر منها في أي مجال آخر، لكنه بعد ولوجه، أصبح يقرأ في الفقه والشريعة وعلم النفس وقانون الأحوال الشخصية، أكثر منها في باقي فروع المعرفة، إن لم تقتصر عليها بحكم الضرورة، وبعد أن كان يتابع آخر اتجاهات المسرح الحديثة، ويشاهد كل عروضها الجادة وغير الجادة في مصر، أصبحت زيارته للمسرح ترفًا لا يسمح به وقته، اللهم إلا مرة أو مرتين في لندن خلال زيارته السنوية لها، وبعد أن كان زبونًا دائمًا في حفلات الأوركسترا السيمفوني، ووجها مألوفا في حفلات الموسيقى العربية، لم يعد بعد ذلك يتذكر آخر مرة حضر فيها هذه المناسبات، لأن مشكلات الإنسان مع أخيه الإنسان التي كانت صلب بريد الجمعة، لم تدع له فرصة حضور مثل تلك العادات السالفة، ولم يدخل مبنى الأوبرا على كثرة ما تُوجه إليه الدعوات لحفلاته، مع أنه كان من روادها في شبابه وصباه.
حدث كذلك أنه بدلا مما كان يجده في حياته من انطلاقه القديم، وقلقه الدائم الذي كان لا يسمح له بالجلوس في مكان واحد أكثر من ساعة، فإذا خرج لسهرة مثلا لم يطق قضاءها في مكان واحد، وأخذ يتنقل بين عدة أماكن ومحلات عامة، كأنه مكلف بالتفتيش عليها وليس بقضاء السهرة فيها، فإذا به يصبح أسير الغرف المغلقة في مكتبه بمسكنه، ومكتبه بالعمل، يتنفس الهواء الثقيل المشبع بسحابات دخان سجائر المهمومين وزفرات الحائرين، وأصبح مكتبه لا يخلو من البشر كل ساعات وجوده فيه، حتى أنه ليتعذر عليه أحيانا أن يجري مكالمة تليفونية في بعض شؤونه الخاصة به.
كانت مشكلته مع بعض القراء من أصدقاء بريد الجمعة أنهم لا يفضلون إرسال مشاكلهم إليه على الورق ليقرأها ويفكر فيها بهدوء، ثم يبدي رأيه فيها ويكون رده عليها، ولكنهم كانوا يفضلون أن يلتقوا به ويعرضوها عليه ويطلبوا مشورته فيها.
لم يكن يضيق بالمهمومين وأصحاب المشكلات، بقدر ما كان وقته يضيع وهو المزدحم بكثير من الأعمال والمهمات، لم يكن وقته يتسع لكل ما وراءه من وظائف في بريد الأهرام اليومي ومجلة الشباب ومسؤوليته في جريدة الأهرام.
كان يقول دائمًا: إن الذهن كالجسم لابد له من أن ينال حقه من الراحة، لكي يستطيع أن يؤدي مهمته بكفاءة"
كان ذلك حتما ولابد لكي يؤدي الأمانة التي ألقاها القدر على عاتقه، كان يعدها في نفسه شهادة سيسأل عنها أمام الله سبحانه، ومهمة جسيمة شأنه فيها شأن القاضي الذي يفصل في أقضية الناس.
إنه كان يقول: "وأنا أعتبر الرأي شهادة أسأل عنهـا أمام اللـه وليس أمام من يستفتيني في أمره، لهذا فلا يعنيني في كثير أو قليل إن يرضيه رأيي أو يغضبه، وانا كل همى أن يرضى ربى ويرضى الحق والعدل کما أتصـورهما وفى حدود اجتهادي، ولا الزم أحدا برأيي أبـدًا، واطرب لعبارة الإمام أبي حنيفة: «قولنا هـذا رأى وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالاتباع منا، وليس من حسن أداء الأمانة أن أتصدى لمهمة وأنا غير مهيأ لها جسديا وذهنيـا، وبـعـد أن استنفدت كـل قدرتي على التركيز والتفكير، فاذا صادفني صاحب مشكلة يطلب رأيي وأنا في هذه الحالة، فإن هذا هو عذابي الخاص الـذي لا يدر به أحـد، وهذه هي اللحظة التي توسوس لي فيها النفس الأمارة بالسوء بالضيـق، ممـا أجدني مضطراً إليه ولست قادرًا عليه، لكني سرعان ما أرد نفسى إلى رشدها، وأذكرها بأن لكـل مسئولية تبعاتها، وأن هذه هي تبعات الطريق الذي اخترته لنفسي بإرادتي وراضـاي بقـدري وقضائي.
وهو ليس قدرا فقط، وإنما فضل وكرم أنعم بها على ربي وأرجو أن أكـون جديرًا بنعمته، فهؤلاء الذين يلجؤون إلى طلبًا لمشورتي، ويفتحون لي قلوبهم ويطلعونني على أدق أسرارهم الشخصية، إنهم يتفضلون على بثقة غالية في شخصي الضعيف على غير سابق معرفة، ويتصورون أن رأيي سوف يفيدهم في مشاكلهم، مع أني لا أدعى الحكمة، وأومن دائمًا بأن الناصح قد لا يكون بأحكم من طالب النصيحة، لكن المشكلة أن الإنسان حين يكون مهمومًا بأمر يشغله، يحتاج أحيانا إلى من ينظر إلى مشكلته من خارجهـا، بعيدًا عن التأثر بانفعالاتها.