هل هي زيارتك الأولي ؟دليل الزيارة الأولي

آخر الموثقات

  • جنّة وشهد والدموع | 2024-07-13
  • باختصار مضى يومان | 2024-01-25
  • لا تسمعوا لهذا المرجف | 2024-07-13
  • التحريف العاطفي للتاريخ | 2024-07-12
  • المتحفظ عليه الذي تحل علينا ذكراه | 2024-07-05
  • الرجل الذي لا يحب العقاد | 2024-07-07
  • احذروا أبناءكم الجهلة | 2024-07-05
  • احترموا مشاعر الناس | 2024-06-25
  • حينما نصح أنيس تلميذه: إياك وثوابت الدين | 2024-06-20
  • أبناء الأفاعي يشمتون في الشعراوي | 2024-06-19
  • يا نور الله  | 2024-01-23
  • أحب كلمة مطر  | 2020-07-20
  • أين دفاع شهد ؟ | 2024-07-12
  • كلمات حمراء | 2024-01-22
  • يموت البشر ويبقى الأثر | 2024-07-12
  • طبيب العائلة "زمان" | 2024-07-12
  • انا مش مكسوره  | 2024-07-12
  • قصة الليل | 2024-01-20
  • للذل شُعَبٍ لا ندرى طريق لها | 2024-07-12
  • ليلة رائعة | 2020-06-20
  1. الرئيسية
  2. مدونة رانيا ثروت
  3. Old spice - بقلم رانيا ثروت

جلست و أنا احتسي فنجان قهوتي كعادتي عصرا بمقهى ومطعم ديليس العريق،ذلك المكان الذي يتوقف فيه الزمن الحاضر ويطل الزمن الماضي من جوانبه بإطلالة براقة تحكي العديد والعديد من القصص والأخبار عن رواد المقهى من زمن صاحبه اليوناني موستاكاس وحتى الآن،بالرغم من التجديدات التي حاولت تغيير ملامحه لمواكبة العصر إلا أن التاريخ البشري باقي في أنفاس المكان.
دائما ما كان عم سالم الرجل الأبنوسي البراق ،ذو البدلة (المكوية زيادة عن اللزوم) يقدم لي القهوة وإلى جوارها قطعة صغيرة من كيك الشيكولاتة،وكأن سياسة المحل تقتضي ذلك لتحلية مرار المشروب السحري كطقس من الطقوس في بلاد يقدسون فيها القهوة.
دائما ما اعتقدت بأحقية ديليس في الوجود على شاطيء بحر الإسكندرية الحبيبة مباشرة بدلا من إزاحته بفعل تمثال سعد زغلول الذي يشير إلى البحر ويعطي للمدينة ظهره آيسا منها ،لنشير نحن رواد المكان بعيوننا للبحر حبا بدلا منه، فنحن أحق بذلك.
مر إلى جواري رجل أشيب الشعر طويل القامة بشرته بيضاء مشربة بحمرة،قسمات وجهه البادي عليها التقدم في السن تشي بوسامة شديدة كانت ومازال بريقها يضيء وجه الرجل بكاريزماته الطاغية، لفتت انتباهي رائحة عطر فرنسي أعرفه جيدا، كانت زجاجته دائما ماتقبع على حوض الحمام في منزلنا الصغير، زجاجة old spice أو( اظبط بايظ )كما كان يحب والدي أن يتندر عليها،كانت العطر الرسمي بعد الحلاقة لوالدي،كنت أحب رائحتها عندما كان يطلب مني تقبيله على خده الناعم ليتأكد أن الحلاقة ناعمة وجيدة كما يخبرني،في معاكسة لطيفة منه، كانت تلك القبلة تسعده وكانت بمثابة عادة لم يقطعها حتى آخر آيام عمره وأنا أقوم بحلاقة ذقنه بنفسي بعدما أقعده السرطان في أيامه الأخيرة وللأسف لم تعد oldspice موجودة ، فكنت استبدلها بكلونيا لاڤندر ،ذهب العطر كما ذهبت أيام الصفاء .
تلك الزجاجة البيضاء التي تشبه اللبن الصافي،حتى أن خيالي الصغير كان يصور لي وأنا ألهو بالزجاجات الفارغة التي كنت أنتظر خلوها من العطر بفارغ الصبر ،أنني أستطيع سكب ذلك اللبن منها،وعندما كبرت قليلا شغفت بذلك المركب الأسطوري الذي يشبه مراكب البحارة القديمة ذات الأشرعة والقلاع الضخمة المطبوعة على الزجاجة باللون الأزرق البارز الذي يشبه ماء البحر، وأحيانا كنت اتساءل هل هذا ماء بحر من عصر قديم جمدوه ووضعوه ليرسموا به المركب...ربما!!
كنت أتصور نفسي وأنا أبحر بالمركب كرحالة تطوف حول العالم ، حتى أنني كدت أن أرى الماء يتحرك فعليا أسفل المركب.
يالا خيال الأطفال.!!
كانت الزجاجة ملساء ناعمة كنت أحب نعومتها الحانية التي لا تشبه زجاجات العطر الأخرى التي تتدثر بالبرودة، وكان في أسفل القاعدة نغزة كنت أعتقد أنها شفرة لها سر سوف اكتشفه في يوم ما،خاصة أنها كانت توجد في أسفل بعض الزجاجات دون الأخرى .
عندما كانت تكثر الزجاجات كنت أخلصها من السدة المعدنية التي تعلوها بإستخدام السكين، وأكتب رسالة بخط صغير مهتز وأضعها بداخلها وأسدها بقطعة فلين أقتطعها من سدة زجاجات الشربات وزيت الزيتون ، وأذهب إلى البحر وألقيها فيه،لا أذكر ما كنت أكتبه ولكنني كنت أتخيل صديقا على البر الآخر تصله زجاجاتي ورسائلي،وعندما عرفت أن إيطاليا تقبع على الطرف الآخر تمنيت أن يكون صديقي ذلك يعرف العربية ويستطيع أن يقرأ ما كتبته بخطي الصغير.

عندما كان يصطحبني والدي إلى ديليس وحدي كنت أشعر أنني أميرة صغيرة تخرج مع الملك الكبير، كان والدي يقوم بطقس الحلاقة وأنا أسرع لأحضر له ملابسه وألمع حذائه وأرتدي فستاني وأتعطر بعطري المفضل "سكريه" وأقف إلى جوار الباب أنتظر القبلة ويده الكبيرة التي تحتضن كفي لننطلق سويا، أركب معه السيارة ،أجلس في الكرسي الأمامي المقدس إلى جوار السائق وهو مكان أمي بالطبع في حال وجودها.
كان يحدثني كثيرا و يضحك معي كثيرا ويحكي لي النكات والطرائف وحكايات عن جدي وعائلتي وعن طفولته التي يراها في.
ويقول لي أنه بالرغم من كوني بنت إلا أنه يراني بمائة رجل وأنني يجب أن أكون كذلك بحسن تصرفي ورزانتي وبكثرة القراءة والمعرفة.
كان يقول لي أنني عكازه الذي سوف يتعكز عليه في كبره، وينظر لعيني ممسكا بذراعي وهو يقول، عشت مرفوع الرأس،قوي العين، فلا تكسري عيني أبدا أنا أثق بك .
كان عهدا مقدسا بدون إمضاء ولا شهود.
نصل إلى ديليس فيستقبلنا عم سالم ويقدم لوالدي قهوته المضبوطة وفي كنفها تقبع قطعة الكيك ويطلب لي الجاتوه وعصير الموز باللبن الذي أحبه،يستمر الحديث بيننا عن الدنيا وعن الآخرة وعن الناس والأحوال،كنت سعيدة سعيدة جدا.
ثم يأتي وقت الرحيل فنترك قطعة من أرواحنا في المكان ونغادره على أمل بالعودة.
عندما تزوجت وسافرت إلى السعودية سعدت جدا عندما وجدت زجاجات عطر old spice و تشارلي أول عطر يهديني إياه والدي ،فاشتريت واحدة من كل منهما ،طلبت من زوجي أن يضع ذلك العطر بعد الحلاقة ولكنه رفض لأن ذوقه قديم،فادخرتها لولدي ،كنت أضع منها في ثيابه حتى أشم رائحة عمرى الماضي وطفولتي وكنت أضع لأبنتي تشارلي فتصير رائحة البيت كرائحة بيتنا الصغير.
لم تكن رائحة العطر ذاتها رائحة العطر القديم مما أحزنني ولكن على آية حال الزجاجة لم تتغير ...حمدا لله.
سمعت نقرا على طاولتي،ووجدت عم سالم أمامي بإبتسامته العاجية البيضاء وهو يسألني ..القهوة تمام؟
فقلت له وأنا أبتسم وعيوني تحبس دموعي....تمام يا عم سالم.

رانيا ثروت

التعليقات علي الموضوع
لا تعليقات
المتواجدون حالياً

344 زائر، و1 أعضاء داخل الموقع