آخر الموثقات

  • غدًا سنحاول مرة أخرى
  • بهداوة ... بهداوة
  • بين التسامح ووجع الإساءة… هل العفو يعني أن نتألم في صمت؟
  • حقد أسود، قلب أعمى
  • الجبال الشاهقة
  1. المنصة
  2. 🏠 مركز التدوين و التوثيق ✔
  3. 💎 الأعمال الموثقة
  4. بين التسامح ووجع الإساءة… هل العفو يعني أن نتألم في صمت؟
شعار مشروع جدار المدونات

مدونات مركز التدوين والتوثيق

استمتع بقراءة أعمال عالية المستوى بقلم كتّاب مركز التدوين والتوثيق.

ابدأ بكتابة اسم الكاتب أو جزء منه، وستظهر لك المدونة المطلوبة؛ المدونات مرتبة هجائيًا.

ليس من السهل أن تسامح شخصًا جرحك، وليس من السهل أيضًا أن تتجاوز إساءة تركت في داخلك ألمًا لا يراه أحد. فبعض الكلمات لا تُنسى بسهولة، وبعض المواقف تظل عالقة في الذاكرة، وبعض الجروح لا يداويها اعتذار، حتى وإن جاء بعد سنوات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمنعنا الألم من التسامح؟ وهل يعني العفو أن نتنازل عن حقنا، ونكتم وجعنا، ونواصل الحياة وكأن شيئًا لم يحدث؟

الحقيقة أن التسامح لا يعني أنك لم تتألم، ولا يعني أن الإساءة كانت بسيطة، ولا يعني أنك أصبحت ملزمًا بإعادة الشخص الذي آذاك إلى حياتك وكأن شيئًا لم يكن.

قد تسامح وأنت ما زلت تتذكر، وقد تعفو وأنت لم تتعافَ تمامًا، وقد تتمنى الخير لشخص لم تعد قادرًا على الاقتراب منه. فالتسامح شعور وقرار يحتاجان إلى وقت، وليس زرًّا نضغط عليه بمجرد أن نقرر أننا أشخاص طيبون.

لكن متى يتحول التسامح إلى ظلم للنفس؟

حين يصبح العفو وسيلة لإسكات صوتك الداخلي، وحين تعتاد ابتلاع حزنك حتى لا يغضب الآخرون، وحين تتنازل عن حقوقك خوفًا من أن يصفك أحد بالقسوة، أو تظل تتحمل الإساءة لأنك تخشى أن تفقد صورتك كشخص متسامح.

هنا لا يعود الأمر تسامحًا صحيًّا، بل قد يتحول إلى استنزاف نفسي، خصوصًا عندما تتكرر الإساءة ويشعر الطرف الآخر بأنه يستطيع إيذاءك دون أن يواجه أي حدود.

ليس مطلوبًا منك أن تتحمل كل شيء حتى تثبت أنك إنسان طيب، وليس من العدل أن تدفع صحتك النفسية ثمنًا لراحة الآخرين.

وهل يجب أن يقتص الإنسان لنفسه عندما يشعر بالتعب النفسي؟

ليس كل ألم يحتاج إلى انتقام، لكن بعض المواقف تحتاج إلى موقف واضح.

هناك فرق كبير بين أن تطلب حقك، وأن تنتقم؛ وبين أن تدافع عن كرامتك، وأن تسمح للغضب بأن يقودك إلى ما تندم عليه.

من حقك أن تواجه من أساء إليك، وأن تطلب اعتذارًا، وأن ترفض تكرار التجاوز، وأن تسترد حقك بالطرق المشروعة، وأن تلجأ إلى الجهات المختصة إذا استدعى الأمر ذلك.

ومن حقك أيضًا أن تبتعد، وأن تنهي علاقة تستنزفك، وأن تقول: «لقد سامحتك، لكنني لن أسمح لك بإيذائي مرة أخرى».

فالتسامح لا يُسقط الحقوق بالضرورة، والعفو لا يعني التنازل عن العدالة، والطيبة لا تعني أن تكون متاحًا للإساءة في كل مرة.

ولكن ماذا لو كان كتمان الألم هو الثمن الذي تدفعه حتى لا تؤذي من آذاك؟

هل يُطلب منك أن تظل صامتًا حتى تنفجر؟ أن تجمع داخلك كل ما قيل لك من كلمات جارحة، وكل ما تعرضت له من مواقف مؤلمة، ثم تبتسم أمام الناس لأنك لا تريد أن تكون سببًا في حزن أحد؟

إن المشاعر التي لا تجد طريقًا صحيًّا للتعبير عنها قد تتحول إلى عبء ثقيل. وليس مطلوبًا منك أن تتظاهر بالقوة طوال الوقت، أو أن تنكر غضبك، أو أن تشعر بالذنب لأنك تألمت.

من حقك أن تحزن، وأن تغضب، وأن تعبّر عما جرحك، وأن تطلب المساندة ممن تثق بهم. ومن حقك أن تأخذ وقتك قبل أن تقرر هل ستسامح، وكيف ستتعامل مع الشخص الذي أساء إليك.

فالعفو الحقيقي لا يُفرض على الإنسان، ولا يُقاس بقدرته على تحمل المزيد من الألم.

التسامح لا يعني أن تفتح الباب مجددًا لمن كسره، بل أن تتحرر من أن يظل كسره يتحكم في حياتك.

قد تختار أن تسامح لأنك لا تريد أن تعيش أسيرًا للغضب، وقد تختار أن تبتعد لأن وجود الشخص في حياتك يؤذيك. والاختياران لا يتعارضان بالضرورة؛ إذ يمكنك أن تتخلى عن الرغبة في الانتقام، مع الاحتفاظ بحقك في الحماية والابتعاد والمطالبة بالعدل.

وليس كل من لم يستطع المسامحة الآن إنسانًا سيئًا، وليس كل من اختار المطالبة بحقه إنسانًا قاسيًا. فلكل جرح وقته، ولكل إنسان طاقته، وما يبدو بسيطًا في نظر الآخرين قد يكون مؤلمًا للغاية لمن عاشه.

وفي النهاية، ربما علينا أن نعيد تعريف التسامح في داخلنا.

فالتسامح ليس أن تظلم نفسك كيلا تظلم غيرك، وليس أن تتنازل عن كرامتك كي تحافظ على علاقة، وليس أن تصمت عن الحق كي تبدو نقيّ القلب.

يمكنك أن تكون متسامحًا دون أن تكون ضعيفًا، وطيبًا دون أن تكون مستباحًا، وعادلًا دون أن تكون منتقمًا.

سامح إن استطعت، وخذ وقتك إن لم تستطع، واطلب حقك إن لزم الأمر، وضع حدودًا تحميك من تكرار الألم.

فأنت لست مطالبًا بأن تختار بين قلبك وكرامتك، ولا بين العفو وحقك في العدالة.

وأجمل ما يمكن أن تصل إليه ليس أن تنسى كل من آذاك، ولا أن تنتصر على كل من ظلمك، بل أن تصل إلى مرحلة لا تسمح فيها للإساءة أن تغيّر جوهرك، ولا للتسامح أن يدمّرك من الداخل.

فليس كل عفو تنازلًا، وليس كل صمت حكمة، وليس كل مطالبة بالحق انتقامًا… وأحيانًا يكون أصدق أشكال الرحمة أن ترحم نفسك أيضًا.