نكبر ونحن نظن أن الأمان يُورث، وأن بعض الأبواب لا تحتاج إلى طرق، وأن بعض القلوب لا تحتاج إلى حذر.
ثم تعلمنا الأيام أن صلة الدم شيء، وأمان الروح شيء آخر.
ليس كل قريب مأوى، ولا كل بعيد غريبًا.
بعض الخيبات لا تأتي من أعداءٍ تربصوا بنا، بل من أيدٍ أمناها على أسرارنا وأحلامنا وحقوقنا، حتى إذا طالبنا بشيءٍ منها نظروا إلينا كأننا الغرباء.
وما أوجع أن يُلام المرء على حفظ حقه، وأن يُتهم بالقسوة لأنه لم يتنازل عن نفسه كاملة.
كبرنا، وعرفنا أن الصفح خلق، لكنه لا يلغي الذاكرة، وأن صلة الرحم عبادة، لكنها لا تعني أن نفتح أبواب قلوبنا لكل من اعتاد الدخول والخروج منها بما يشاء.
لذلك صرنا ندعو أكثر مما نعاتب، ونصمت أكثر مما نشرح، ونترك بعض الأمور لعدالة السماء، فهي أبصر بما خفي في الصدور.
أما الود الذي كان يومًا، فنسأل الله أن يحفظ له صورته الجميلة في ذاكرتنا، حتى وإن عجز أصحابه عن حفظه في واقعهم.
ليس كل ما انكسر يُروى، ولا كل ما يُروى يُفهم، لذلك آثرنا الصمت أحيانًا، لا ضعفًا، بل رحمةً بما تبقى من ودٍّ كان يومًا عزيزًا.
فبعض العلاقات لا يحفظها القرب، ولا تعيدها الخصومة، وإنما نحفظ لها قدرها في قلوبنا، ونمضي...
تاركين لله ما ضاق به صدرُ الحكاية.
