العزيز كمال،
رسالتي اليوم تنصّلت من الأشواق،
وأغلقت خلفها أبواب الأماني.
بحثت طويلًا عن عذرٍ يردّ عنك قسوة الأيام،
وعن نافذةٍ أطلّ منها على ما كان،
فلم أجد إلا ظلالًا متعبة،
حتى جميل ما صنعت يداك يومًا
آثر الصمت.
أوَبلغنا من الجفاء حدًّا
صار فيه الوفاء شاهدًا لا يُستدعى،
والذكرى متاعًا يُؤثَر عليه النسيان؟
وأرجوك،
حفظًا لما عبر بيننا ذات يقين،
لا توقظ رغدًا ما زلت أحمله في زاويةٍ من العين،
فبعض النعيم إذا استُعيد وجع.
اليوم،
وعلى قدر ما بقي للقلم من صدق،
أطلب ما لم أظن يومًا أنني سأطلبه:
أن تترك للمسافة حقها.
أستحلفك بما مضى،
وبعهدٍ أعرف أنك تذكره وإن أنكرت،
أن تدع ما انكسر يهدأ تحت ركامه.
ارحم ضلعًا
كُسر منك،
وبك.
ودع الطريق يأخذ نصيبه منك.
فلعل ما لا تشفيه الكلمات
تواسيه المسافات.
كهلت روحي،
وأنا أهدهد أحلامًا لم تُخلق لقلبي،
ومن حمل مواسم كاملة
على كتفين خُلقتا لقطف الزهر لا لجرّ العمر.
ومع ذلك،
فإني أرجو أن تكون قد وجدت مأوًى
يجيد احتمال عواصفك،
ويعرف كيف يرمم ما تهدم منك
كلما أثقلتك نفسك.
أما أنا...
فما أردت يومًا أن أكون ظلًّا لأحد،
ولا ملاذًا يؤوي تعب السنين.
كان في قلبي متسعٌ للدهشة،
وفي يدي بقايا طفولة،
وكنت أظن أن ذلك يكفي.
لكن بعض الطرق
تستبدل الربيع فينا بشيءٍ آخر.
ولذلك لن أبوح.
كل ما في الأمر
أن ذلك الربيع الذي كنت تعرفه فيَّ
لم يعد يعرف طريقه إليّ.
بهت اللون،
وتبعثرت الجهات،
وصارت الأرض التي أقف عليها
تسألني كل يوم:
لمن تنتمين؟
فأعِدني كما كنت...
أو دعني أبحث عني بعيدًا.
لك مني أمان الله،
أما اللقاء،
فأمره إلى الأيام.
فثمة أشياء لا تنتهي،
إنما تبتعد.
ويوماً ما...
حين يهدأ كل هذا الضجيج،
سنعرف أيّنا كان يلوّح مودعًا،
وأيّنا كان يلوّح للغرق.
يوما ما..
