حللتَ دارك أهلًا يا كمال،
أعذر مني انقباض روحي، وتلك الغصّة المظلمة في حشاش قلبي...
أتعلم كم مزّقتُ من ورقٍ حتى يصل إليك خطابي هذه المرة؟
كم إنها ثقيلة، لا أستطيع حملها هذه المرة.
نعم، لقد ضاق صدري، وصعب عليّ أمري.
لا تدع زهرتك في مهبّ الريح؛ فقد أتعبها العصف، وأرهقتها الليالي العاتية.
أتدري؟
مرّت بالقلب وجوهٌ كانت تظنّها الروح سندًا، فإذا بها تعلّمني أن بعض السقوط نعمة خفية.
ثم مضيتُ…
وتركتُ ما لم يعد يحتمل البقاء خلفي، وكفى به وكيلًا.
لن أطيل عليك، فما عاد في الذكر طائل، ولا في البوح بقاء.
إني قد زهدتُ ما يثقل الروح.
لم أعد أبالي.
فكل ساقٍ سيسقى ما سقى، وكل أمرٍ مردّه إلى الله.
وكفى…
كفاني بهم تفويض الأمر لله.
أما أنت...
أنت...
تأتي أنت، فيتلاشى الحرف، وتبقى المشاعر.
ويبقى همسٌ خافتٌ يمرّ بجناح روحي كلما ذكرتك، فلا أدري أهو رجاء أم سكينة أم شيء لا يُسمّى.
ولعلّ في القلب أشياء لا تُقال،
وأوجاعًا يكفيها أن تُفهم دون شرح.
أما أنت...
فلي مع صبرك دعاءٌ لا ينقطع،
وحزنٌ لا يُعلن،
وشعورٌ يقف على تخوم الحرف ثم يعجز.
ثم أصمت…
فبعض المعاني إذا قيلت ماتت.
كأنك الملاذ الأخير بعد طول التيه،
والنافذة التي يتسلل منها الضوء إلى قلبٍ أثقله الليل.
كن... وكفاك.
فما عدت أطلب من الدنيا كثيرًا،
ولا من الناس وفاءً لا يملكونه.
يكفيني صدقٌ لا يتبدل،
وقربٌ لا تؤذيه المسافات،
ودعاءٌ خفيٌّ إذا ضاقت السبل.
كن...
فبعض الأرواح لا تحتاج وعدًا،
ولا شرحًا،
ولا ضجيج حضور.
يكفيها أن تعلم أن هناك قلبًا صادقًا لم يغادر مكانه.
وإن أثقلتني الأيام مرة أخرى،
وإن ضاق صدري بما رحب،
سأذكر أن لله لطفًا لا يغيب،
وأن بعد العسر يسرًا،
وأن في هذا العالم قلوبًا إذا ذُكرت هانت المصائب.
كن... وكفاك.
فبعض الناس وطنٌ، وإن كانوا بعيدين.
