صلاح الدين يعدّل ياقته أمام المرآة، يمد يده نحو المعطف المعلق على المشجب، فتتجمّد أصابعه في الهواء. الجدار خلفه أبيض، عارٍ من أي خط رمادي يتبعه.
يركع عند حافة الطاولة، يمرر كفه على البلاط المغسول بضوء الشمس. كاحله بلا أثر. يهمس: أين انسلخت؟
قبل سنتين، في غرفة تفوح برائحة الدواء، كان يوسف ممدداً تحت بطانية رمادية، يسعل، يشير بإصبع نحيل إلى حقيبة جلدية على الكرسي: المخطوطة هناك... احتفظ بها لي. أومأ صلاح الدين. أخذ الحقيبة. أغلق الباب خلفه بهدوء لم يسمعه يوسف. في مكتبه، فتح المخطوطة. شطب اسم صاحبها بقلم أحمر. كتب اسمه فوقه بخط واضح، وأرسلها إلى الناشر. لم يزر يوسف بعدها. حين وصله خبر الوفاة، وقف في الجنازة بمعطفه الرمادي نفسه، يتلقى التعازي عن صديق الفقيد.
منتصف الليل يدفع باب عيادة الدكتورة ليلى، يشير إلى الأرض الخاوية: ظلي هجرني. تميل نحو المصباح لتتفحص كاحله. يشتعل المقعد خلفها بالضوء، خالياً من أي عتمة تتبعها. يسقط القلم من يدها. لا تنطق بشيء.
يخرج إلى الشارع المبلول برذاذ المطر. تقوده قدماه نحو رائحة الملح. الميناء. على الرصيف نفسه الذي كتب عليه يوسف موعده الأخير، جلسا معاً أول مرة يرسمان خطة الموسوعة على منديل ورقي. يقترب من الحافة بخطى مرتجفة.
على الصخور، هيئة ترتدي معطفه، تحدق في اللجج: من تكون؟
تستدير الهيئة ببطء، وجهه بتجاعيده، ابتسامة بلا خوف: الاسم الذي محوته لا يزال يُكتب في مكان ما.
فجراً، وقف صلاح الدين أمام رفوف المكتبة، حيث اعتاد القراء التجمع لجلسة الصباح. يرفع صوته: الكتاب الذي بين أيديكم ليس لي. كاتبه يوسف عبد الحكيم، مات وحيداً بينما كنت أوقع باسمه في حفلات التوقيع. يُخرج من جيبه ورقة يوسف المطوية، يقرأ جملتها الأخيرة بصوت متهدج: انتظرني عند الرصيف. يضع الورقة على الرف، بين الكتب، ويخرج دون أن ينتظر رداً.
يدفع الباب الزجاجي إلى الساحة، يتوقف، ينظر إلى الأرض. على عتبة الفراغ، ومض خيط باهت كأنه أول التكوين.