آخر الموثقات

  • أصحاب الوجوه الكثيرة
  • لص الذاكرة
  • على حافةِ الرماد
  • لِلأَرْوَاحِ دَوَاءُ
  • صَاحِبَ الأَيْدِي البِيَاضِ
  1. المنصة
  2. 🏠 مركز التدوين و التوثيق ✔
  3. 💎 الأعمال الموثقة
  4. على حافةِ الرماد
شعار مشروع جدار المدونات

مدونات مركز التدوين والتوثيق

استمتع بقراءة أعمال عالية المستوى بقلم كتّاب مركز التدوين والتوثيق.

ابدأ بكتابة اسم الكاتب أو جزء منه، وستظهر لك المدونة المطلوبة؛ المدونات مرتبة هجائيًا.

لم يبقَ مني سوى رمادِ امرأةٍ تُتقنُ فنونَ الحنينِ والغيابِ في آنٍ واحد.
كانت تُصدِّقُ أنَّ القلوبَ لا تخون، وأنَّ الصداقةَ لا يُجاريها سوى الوفاء، وأنَّ البنوَّةَ لا تُهزَمُ بعقوقِ التمرُّدِ وشهوةِ الفراق.
لكنَّ الأيامَ كانت أقسى من أن يطيقها قلبي؛ فمرَّت عليَّ الخيباتُ كفصولِ خريفٍ طويلةٍ، تُسقِطُ من روحي أوراقَ الطمأنينةِ واحدةً تلو الأخرى، حتى غدوتُ كمدينةٍ مهجورةٍ لا يُضيئها سوى وجعِ الذكريات.
وحدهُ المطرُ جاء ذاتَ مساءٍ حزينٍ، لا ليُغرقَ ما تبقَّى مني، بل ليغسلَ عني غبارَ الأسى.
كان يحملُ في صوته مفتاحًا لبابِ أملٍ ظننتُه أُغلِقَ إلى الأبد، وكانت نسماتُه تعانقُ روحي برفقٍ سماويٍّ، كأنَّ الحياةَ تُربِّتُ أخيرًا على قلبٍ أنهكهُ الانتظار.
وحين ارتسمت تلك الابتسامةُ الملائكيةُ أمامي، شعرتُ أنَّ الربيعَ قادرٌ على العودةِ حتى بعد أعوامٍ من الذبول، وأنَّ بعضَ الأرواحِ تأتي متأخرةً، لكنها تُعيدُ إلينا الحياةَ كاملةً.
ولأولِ مرةٍ، لم أخفْ من رمادي؛ لأنني أدركتُ أنَّ بعضَ الحرائقِ لا تُنهي الإنسان، بل تُعيدُ تشكيلَه بصورةٍ أكثرَ نقاءً وصدقًا.
فما كلُّ احتراقٍ نهاية، وما كلُّ رمادٍ دليلُ فناء؛ فثمَّةَ أرواحٌ لا تُبعثُ إلا بعد أن تعبرَ النار، وتخرجَ منها أكثرَ حكمةً، وأشدَّ صفاءً، وأقدرَ على احتضانِ الحياة.