آخر الموثقات

  • أصحاب الوجوه الكثيرة
  • لص الذاكرة
  • على حافةِ الرماد
  • لِلأَرْوَاحِ دَوَاءُ
  • صَاحِبَ الأَيْدِي البِيَاضِ
  1. المنصة
  2. 🏠 مركز التدوين و التوثيق ✔
  3. 💎 الأعمال الموثقة
  4. لص الذاكرة
شعار مشروع جدار المدونات

مدونات مركز التدوين والتوثيق

استمتع بقراءة أعمال عالية المستوى بقلم كتّاب مركز التدوين والتوثيق.

ابدأ بكتابة اسم الكاتب أو جزء منه، وستظهر لك المدونة المطلوبة؛ المدونات مرتبة هجائيًا.

كان وجهُ أبي يتآكل ببطء… لا بفعل الزمن، بل بفعل النسيان.
في البداية، ظننّا الأمر مزحة ثقيلة. كان يضع نظارته في الثلاجة، ويبحث عنها ساعة كاملة وهو يضحك قائلاً:
_الشيخوخة يا ولدي… تعبث بي قليلاً.
لكنّ الضحكة كانت تخفي شيئًا آخر. شيئًا لم نكن نريد أن نراه.
حين نطق الطبيب باسم المرض لأول مرة — Alzheimer's disease — شعرتُ أن الكلمة أطول من قدرتي على تحمّلها.
الزهايمر… كأنها ريح باردة تهبّ في منتصف صيف، وتُطفئ المصابيح واحدةً تلو الأخرى.
أبي كان معلّم تاريخ. رجلًا يحفظ تواريخ الحروب، وأسماء الملوك، وسنوات الثورات. كان يروي لنا حكايات التاريخ القديم ، والحديث وكأنه حضر كل تلك الأحداث.

لكنّه ذات مساء، نظر إليّ وسأل:
_أنت… ابن من؟
لم تكن مزحة هذه المرة.
تجمّد الزمن بيننا.
أنا ابنه الذي حمله على كتفيه يوم نجحتُ في الثانوية، والذي بكَى حين دخلتُ الجامعة… لم يعد يعرفني.
الزهايمر لا يسرق الذكريات فجأة.
إنه لصٌّ نبيل المظهر، يدخل البيت كل ليلة، ويسحب صورة واحدة فقط.
في البداية تختفي الأشياء الصغيرة: مكان المفاتيح، أسماء الجيران، موعد الصلاة.
ثمّ يتقدّم… ببطءٍ قاسٍ.
نسي أبي اسم أمي.
كان يناديها "يا أختي".
كانت تبتسم وتجيبه برفق، ثم تذهب إلى غرفتها وتبكي بصمت.
أحيانًا كان يستيقظ فجرًا، يرتدي ملابسه القديمة، ويحمل حقيبته الجلدية، ويقول إنه متأخر عن المدرسة.
مدرسة تقاعد منها منذ عشرة أعوام.
وفي إحدى الليالي، خرج من البيت دون أن يشعر أحد.
وجدناه عند ناصية الشارع، ينظر إلى الطريق الطويل، وكأنه ينتظر قطارًا لا يأتي.
قال لي حين أمسكته:
_أريد أن أعود إلى بيت أبي… لقد تأخرت.
كان أبي يبحث عن بيتٍ هُدم منذ نصف قرن.
كان يعيش في زمنٍ لا نراه.
أكثر ما كان يؤلمني… تلك اللحظات النادرة التي يعود فيها وعيه فجأة.
ينظر حوله كغريق خرج للحظة من تحت الماء.
يسأل:
_ما الذي يحدث لي؟
كنت أحتضنه وأقول:
_لا شيء يا أبي… فقط بعض التعب.
كان يعرف أنني أكذب.
في أحد الأيام، جلس بجانبي طويلاً. أمسك يدي بقوة غير معتادة، وقال بصوتٍ خافت:
_إذا نسيتك يومًا… سامحني. أنا لا أختار النسيان.
ثم بكى.
ولأول مرة في حياتي، رأيت أبي ضعيفًا… كطفلٍ خائف من العتمة.
تدريجيًا، صار جسده حاضرًا وروحه غائبة.
يجلس بالساعات محدّقًا في الفراغ.
لا يطلب شيئًا.
لا يغضب.
لا يضحك.
الزهايمر لا يقتل الجسد، بل يطفئ الإنسان من الداخل.
أصبح يُطعم بالملعقة.
ويحتاج من يقوده إلى الحمام.
ويبتسم بلا سبب، كأنه يرى عالمًا لا نراه.
وفي مساءٍ شتوي، جلستُ أمامه أقرأ له من كتاب التاريخ الذي كان يحبه.
توقفتُ عند فقرةٍ عن حرب أكتوبر.
رفعتُ عينيّ نحوه.
كانت عيناه تلمعان.
همس بصوتٍ متقطّع:
"التاريخ… لا يُنسى."
ثم سكت.
لا أدري إن كان يقصد الكلمات… أم كان يقاوم المرض للحظة أخيرة.

حين رحل، لم أشعر أنني فقدته في ذلك اليوم.
كنتُ قد بدأْتُ أفقده منذ سنوات.
كل ذكرى اختفت كانت موتًا صغيرًا.
وكل سؤالٍ لم يعرف إجابته كان وداعًا جديدًا.
الزهايمر علّمني شيئًا لم أفهمه من قبل:
أن الإنسان ليس جسدًا، ولا اسمًا، ولا بطاقة هوية.
الإنسان هو ذاكرته.
وإن سُرقت الذاكرة… يبقى الحب وحده شاهدًا.
حتى الآن، أحيانًا أناديه في داخلي:
_أبي…
ولا أنتظر جوابًا.
لكنني أوقن أنه في مكانٍ ما — مكانٍ لا يصل إليه النسيان — يعرفني جيدًا..