آخر الموثقات

  • حقد أسود، قلب أعمى
  • الجبال الشاهقة
  • الجدل المصري حول المونديال
  • دول تعلن رسميا مبدأ "النطاعة"
  • الأمر أكبر من كرة القدم
  1. المنصة
  2. 🏠 مركز التدوين و التوثيق ✔
  3. 💎 الأعمال الموثقة
  4. حين يصبح الوطن هو المتهم
شعار مشروع جدار المدونات

مدونات مركز التدوين والتوثيق

استمتع بقراءة أعمال عالية المستوى بقلم كتّاب مركز التدوين والتوثيق.

ابدأ بكتابة اسم الكاتب أو جزء منه، وستظهر لك المدونة المطلوبة؛ المدونات مرتبة هجائيًا.

هناك لحظات تمر بها الأمم لا يكون الخطر فيها قادما من الحدود، بل من داخل النفوس ذاتها؛ حين يتحول الشك إلى عقيدة، والتشكيك إلى بطولة، والهدم إلى وجهة نظر. وحين يصبح الإنجاز موضع سخرية، والاستقرار موضع اتهام، وتتحول الأوطان في أعين بعض أبنائها إلى خصم لا بيت، وإلى عبء لا ملاذ.
وفي عالم مضطرب، يموج بالحروب والانهيارات والفوضى، تبدو مصر راسخة وسط العاصفة، تحمل فوق كتفيها أعباء نفسها وأعباء غيرها، بينما يصر بعض أبنائها على النظر فقط إلى نصف الكوب الفارغ، وكأن هذه البلاد لم تنجُ كل مرة إلا بمعجزة من صبرها وتماسك مؤسساتها وتضحيات أبنائها.
لسنا شعبا فقيرا في النعم، بل ربما مشكلتنا الحقيقية أننا اعتدناها حتى فقدنا القدرة على رؤيتها. نعيش في وطن تتطلع إليه عيون الملايين الهاربين من الخراب، حتى صار ملاذا لمن ضاقت بهم أوطانهم وخافوا البطش والتنكيل والجوع والاقتتال. وبينما يتمنى غيرنا مجرد الأمان، نقف نحن نعدد أوجه السخط وكأننا نعيش في أسوأ بقاع الأرض.
نشتكي الغلاء، رغم أن العالم يئن تحت وطأة أزمات اقتصادية وحروب واضطراب أسواق. ونلعن الواقع، بينما غيرنا يبحث فقط عن فرصة حياة أو سقف يحتمي تحته. نتحدث عن القمع وكأننا لا نرى ما يجري حولنا في المنطقة من مصائر مفزعة لشعوب دفعت ثمن الفوضى والانهيار، وصارت الحياة نفسها امتيازا مهددا في بعض البلدان.
المفارقة الأكبر أننا شعب يظن كثير من أفراده أنهم يفهمون في الأمن القومي أكثر من مؤسسات أمضت عقودا تواجه المؤامرات والتحديات وتحافظ على بقاء الدولة وسط إقليم مشتعل. نتصور أن إدارة الدول تتم بالشعارات والانفعالات والمنشورات.
لقد أصبح التعامل مع الوطن باعتباره ساحة دائمة للاتهام والتشويه، لا بيتا يجب الحفاظ عليه. كلمات مشحونة بالهدم، وشائعات تبث البلبلة، وتحريض يستهين بحجم الأخطار المحيطة بنا. والأسوأ أن هناك من يصفق لهذا، ويمنح أصحابه صك البطولة، وكأن الوطنية أصبحت تهمة بينما الفوضى صارت نوعا من الشجاعة.
ومع ذلك، تظل مصر تحاول أن تمسك بالدفة وسط بحر هائج. تتحمل أعباء أزمات المنطقة، وتدفع أثمانا سياسية واقتصادية وأمنية كي تبقى الدولة صامدة وسط عالم غير مثالي في أكثر الأوصاف تهذيبا،
إن أخطر ما قد يصيب الشعوب ليس الفقر ولا الحروب، بل فقدان البصيرة؛ حين تعجز الأمة عن رؤية قيمة ما تملك إلا بعد ضياعه. فالأوطان لا تسقط فجأة، بل تنهار تدريجيا حين يفقد أبناؤها الإحساس بالمسؤولية، ويستبدلون النقد الواعي بالهدم، والاختلاف بالكراهية، والانتماء بالسخرية واللامبالاة.
ولهذا، ربما نحتاج اليوم إلى قدر أكبر من الإنصاف، لا التصفيق الأعمى ولا الرفض الأعمى بل النصيحة البناءة. نحتاج أن ندرك أن الحفاظ على الوطن ليس مهمة الدولة وحدها، بل مسؤولية شعب كامل، لأن السفينة التي نجت من عواصف الخارج طويلا، لا يليق بها أن تغرق بقتل الربان أو بثقوب يصنعها أهلها بأيديهم.
ربما لم تكن أزمتنا يومًا أزمة وطن، بل أزمة وعي.