الإهداء: إلى الذين مسحوا أرقامهم ليبقوا.
الغبش عجين لم يختمر.
العم مبروك واقف منذ الثالثة. على كفه اليمنى حبر أزرق: 143. اسمه القديم بقي في البيت مع الصور.
أمامه امرأة تحمل رضيعاً بفم مفتوح، وخلفه صبي يعد أرغفة لم يرها. من نافذة الفرن يخرج بخار رمادي برائحة نشارة.
يتحاشى الوقوف فوق الإسفلت الأسود اللامع. البقعة التي غطت دماء سالم؛ الذي صلى بجانبه أربعين عاما. يتذكر تكبيرته الآن، وهي تختلط بصفارات السادسة.
مرت شاحنة بمكبر صوت: أيها المواطنون الشرفاء، القائد يمر، والتصفيق شرط التموين.
أنزل الخباز السقف المعدني إلى منتصفه.
ارتفعت كفان في أول الطابور. ثم عشرون. وصلت الموجة للمرأة. صفقت بكف واحدة، والأخرى تسند رأس الطفل.
نظر مبروك للإسفلت اللامع تحت قدميه. رفع كفيه لصدره وتركهما معلقتين. عند طرف الشارع شرطي يدون الوجوه في دفتر. تذكر أفواه بيته، والباب المغلق على مصطفى.
التقت كفاه بصوت يشبه صوت الخبز حين يصفع جدار الفرن.
مرت السيارات السوداء. وجه باسم خلف الزجاج لا يلتفت. انغلقت بوابة القصر. ظل يصفق والأضواء ابتعدت. العرق يذيب الحبر الأزرق خيطا رفيعا بين أصابعه.
رفع السقف المعدني.
وصل للنافذة وكفه مفتوحة.
الموزع يقلب دفترا مبللا: رقمك؟
نظر لكفه. سحابة زرقاء باهتة.
قال: أنا مبروك.
لم يرفع الموزع رأسه: الأسماء للمقابر. لا رقم لك. إلى آخر الصف.
الخباز نظر إليه ثم خفض عينيه.
مشى بقدمه المتورمة لآخر الطابور. وقف خلف آخر رجل. أخرج القلم الأزرق.
كتب على كفه البيضاء كلمة واحدة:
مبروك!
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي