هو ليس بساطًا من خيال الحكايات، لكنه بساط يحملنا عبر الزمن، ينتقل بنا بين محطات من الحياة، تستحق التوقف والتأمل، تحمل تجربة أو درسًا أو معنى حبذا لو نتشارك فيه.
أحداث حقيقية أرويها كما عشتها، لا لأستعيد الماضي، بل لعل أحدنا يجد فيها ما يلهمه.
ولنبدأ الرحلة من محطتها الأولى...
_=_=_
البساط
1- محطات في حياتي
لم أكن يومًا ممن يغيّرون وجهتهم لأن الآخرين لا يستسيغون الطريق الذي أسلكه. ظللت أؤمن بأن العمل بإخلاص، والاجتهاد دون انتظار تصفيق أو إشادة، والقيام بما يمليه عليك ضميرك، أمور لا تحتاج إلى شهود؛ يكفي أن يراك الله، وأن تكون أنت راضيًا عما تفعل.
لكن للحياة حسابات أخرى؛ فقد تقدم خيرًا فتلقى جحودًا، وتبذل معروفًا فتُقابل بالإساءة، وتظن أن حسن الخلق وكرم النفس سيحفظان لك مكانتك، فتكتشف أن هناك مَن يخلط بين الاحترام والضعف، وبين الذوق وإمكانية الاستهانة بصاحبه.
وقد تمد يدك لإنقاذ أحدهم، فيغرس فيها خنجره، ثم يتخذ من جهدك سلمًا يصعد عليه، حتى إذا بلغ ما أراد وقف فوق ما تركه خلفه، وأخذ يبحث عنك في الأرجاء متسائلًا: أين ذهب؟
والطريف أنه لن يجدك فعلًا! ليس لأنك اختفيت، بل لأنك تجاوزت المكان الذي لا يزال هو عالقًا فيه، منشغلًا بتدبير المؤامرات، ونسج الافتراءات، واستنزاف عمره في صغائر الأمور.
أعرف جيدًا تلك الوصفات التي تصنع نجاحًا زائفًا؛ أن تترك غيرك يعمل، بينما تنصرف أنت إلى بناء شبكة من العلاقات، ثم تحصد ثمار جهده، وتزيح من طريقك كل مَن يمكن أن يشاركك الوصول. ولا بد، بالطبع، من تشويه صورته في أثناء الرحلة، وإلصاق به ما فيك من عيوب، حتى تضمن ألا يبقى له موضع إلى جوارك حين تبلغ غايتك!
أبتسم كثيرًا حين أتأمل هذه الحسابات؛ فالأهداف التي تستنزف أصحابها في مثل هذه المعارك ليست، في حقيقتها، سوى محطات قصيرة مهما طال الوقوف عندها. مال، شهرة، علاقات، مناصب... وماذا بعد؟
ماذا يحمل الإنسان معه حين تنتهي رحلته في هذه الدنيا، ويقف بين يدي الله؟ هل تكفيه حصيلة ما جمعه، أو ما انتزعه من الآخرين، أو ما بناه من مكانة على أنقاضهم؟ وهل يظن أن رحمة الله وكرمه يمكن أن يكونا ستارًا يتوارى خلفه من يعرف جيدًا حقيقة ما اقترف؟
هناك لا تنفع الحسابات التي اعتدناها، ولا تنجح الحيل التي راجت بين الناس. فالله لا ينسى، ولا تخفى عليه خافية، ولا تضيع عنده الحقوق. وللأمور هناك موازين أخرى، تعرفها جيدًا، لكنك تؤثر أن تضعها جانبًا، وتقول لنفسك: ليس الآن، فلنتركها إلى وقت لاحق!
وتغيب عنك، أو تتغافل عنها، حقيقة أن الأقدار مكتوبة، وأن ما قُدّر لك ستناله، لا ينقص منه شيء. لكنك تظل مسؤولًا عن الطريق الذي تختاره للوصول إليه؛ فليس كل طريق مشروعًا لمجرد أنه ينتهي إلى غاية تتمناها، وليس كل مكسب يستحق الثمن الذي تدفعه من نفسك.
أما أنا، فالحمد لله، لم تكن غايتي يومًا أن أسبق أحدًا أو أن أنتزع مكانه، بقدر ما كان يشغلني ألا أفقد مكاني في عين نفسي. أن أظل قادرة على احترام ذاتي، مهما تبدلت الظروف، وألا أضطر يومًا إلى مواجهة نفسي بشيء فعلته طلبًا لمكسب أو خوفًا من خسارة. وهذا، في الحقيقة، هدف بالغ الصعوبة؛ فالمحافظة على النفس في زمن تتعدد فيه المغريات والاختبارات أشق كثيرًا من تحقيق بعض المكاسب.
أما الأمور المادية، فلي معها حكاية تستحق الابتسام!
فقد كانت، في أوقات كثيرة، أشبه بمن يطاردني بإلحاح، ويقف أمامي قائلًا: ها أنا ذا، ماذا تريدين؟ خذيني، أنا أمامك، وتحت أمرك!
فأجيبها: أريد أن ألقى الله وأنا راضية عن نفسي، وألا يراني مقصرة في حقه، أو أجدني قد سلكت طريقًا لا أرضاه، أو تصرفت على نحو يشبه ما أنتقده في الآخرين. أريد أن أطمئن إلى أنني لم أساوم على قيمي، ولم أفرّط في حق أحد من أجل منفعة.
فتعود هي إلى إلحاحها: لا بأس، خذي هذا أيضًا، بل خذي الكثير! فأقول لها: سأشكر الله، لا أشكرك أنتِ!
تذكّروا مع مَن كان حديثي؛ إنها الأمور المادية، تلك التي تشغل بال كثيرين، وتستحوذ على تفكيرهم، حتى تصبح مصدر قلقهم ومنغّص حياتهم. أما أنا، فلا أرى فيها ما يستحق أن تُقاس به قيمة الإنسان، ولا أجدها جديرة بأن تحتل كل هذا الحيز من عمره واهتمامه. ومع ذلك، تأبى إلا أن تفرض حضورها، وتستأثر بمساحة من حياتي، وإن عجزت عن الاستيلاء على المساحة الأكبر من تفكيري!
هذه ليست حكاية انتصار على أحد، ولا محاولة لتقديم صورة مثالية عن النفس؛ فما من إنسان يخلو من عثرات أو تقصير. لكنها محاولة لقراءة بعض محطات الحياة، وما تكشفه التجارب من حقائق، وما تتركه فينا من أسئلة ودروس.
ومن هنا تبدأ حكايات "البساط أحمدي"؛ محطات ومواقف وتأملات، أرويها كما رأيتها وعشتها، وأترك لكم مساحة النظر والتأمل.
انتظروني...
