حالة الإحباط واليأس التي تنتاب كل من يحاول الإصلاح في بلدان المسلمين يبدو أنها لن تنقشع عن سمانا بل ولاتنوي الرحيل !!
بالأمس كنت أقرأ مادار من حوار بين الشيخ رشيد رضا وشيخه الإمام محمد عبده : التلميذ يريد من الشيخ أن يكتب تفسيرا للقرآن الكريم يقتصر فيه على حاجة العصر فقط ويترك ماهو موجود بالكتب ، لأن العمر قد لايتسع لتفسير كامل . فأجابه الشيخ محمد عبده بلغة يملؤها الإحباط : "كنت أدرس التفسير ويحضر بعض طلاب الأزهر والمدارس الأميرية وكنت أذكر كثيرا من الفوائد تحتاج إليها حالة العصر ومااهتم أحد ، وماعلمت أحدا كتب منها شئيا سوى تلميذين قبطيين من مدرسة الحقوق ، وكانا يراجعاني في بعض مايكتبان
(ياللعجب !!)
ثم يتابع الشيخ بلغة ملؤها الحسرة : كنت أقرأ تفسير سورة العصر في سبعة أيام كل درس لايقل عن ساعتين مما لو جمع لكان رسالة حسنة في تفسير السورة ، وماعلمت أحدا كتب من ذلك شيئا "
ويتابع ربما أتصور أن أكتب بموضوع ما وتتوارد على فكري معان كثيرة ثم يأتيني خاطر ، لمن أكتب هذا الكلام ؟ ومن ينتفع به ؟ فأتوقف عن الكتابة ، إني أرى تلك المعاني التي اجتمعت عندي قد امتص بعضها بعضا حتى تلاشت ، ولاأكتب شيئا ،
فحالة المخاطب تؤثر بي جدا ولذلك لاأتكلم عن شيء بحضرة هؤلاء العلماء - يريدعلماء عصره الجامدين - ، لأن افكارهم منصرفة عن ذلك بالكلية ، ولذلك فهم لايعملون شيئا مع سعة وقتهم ..
ويستمر الشيخ يبث شكواه والتلميذ يخفف عنه بأنه سيأتي من يقدر كلام الشيخ الاصلاحي قدره وسيزيد عددهم يوما فيوما ..الخ
ولكن يبدو أن الشيخ رحمه الله ظل على قناعته ويأسه ، فلم يكتب بيده تفسيره ، فالموجود منه عبارة عن دروسه التي كان يلقيها مع حالة الإحباط التي لازمته ، ثم قام التلميذ الشيخ رشيد رضا بتجميعها وإكمال التفسير إلى أن وصل إلى سورة يوسف عليه السلام ، وكان يميز بين كلامه وكلام شيخه بقوله : قال الإستاذ الإمام.
وأقول : رغم كل ماعاناه الشيخ محمد عبده إلا إنه بلا شك كان محظوظا بتلميذه الشيخ رشيد رضا هذا أولا ، وكان محظوظا كذلك لأنه كان يعاني جبهة واحدة وهي جبهة العلماء الجامدين ، وانصرافهم عما يملكه من علم نفيس ، أما نحن فنعاني الجمود والجهل معا ، ويضاف إليهم طلاب الشهادات ممن يسمون أنفسهم زورا بطلاب العلم .
ولكن هل صدقت نبوءة الشيخ رشيد رضا ، أقول : لا وبكل تأكيد .