آخر الموثقات

  • الجدة..!
  • الجوهرة السوداوية
  • البول الغامق معناه أنك تطمئن على الكلى
  • عادل أبو سنة
  • الطب وقيمته
  1. المنصة
  2. مركز التـدوين و التوثيـق ✔
  3. الأعمال الموثقة
  4. ثمن الدم
⭐ 0 / 5

صمت المقابر يخيم على هذا المكان البارد .

كذلك رائحة الموت تملأ أنفها ، لا تعرف كيف تتخلص منها .

أحبته حبا جنونيا منذ أن أصبحت جثة ، لا تطيق فراقه أو الابتعاد عنه قيد أنملة.

 كانت في البداية تراقبه من بعيد ، وتهتم وتحلل تصرفاته .

 كانت تتساءل كل دقيقة ، كيف استطاع أن يقتلها ببرود ودون أن يرف له جفن ؟...

لم تعرف كيف استطاع أن يفعل بها كل ذلك وكيف سولت له نفسه أن يفقأ عينيها ، ويقطع لسانها وكيف كسر عظامها رفسا بقدميه ..

لم تك تظن أنه بتلك الهمجية واللؤم والعنف ..

قررت أن تتبعه إلى أي مكان يذهب إليه ، بهدوء تام ودون أن يشعر بوجودها .

في البداية بعد أن قام بقتلها ، لم يكن يحر جوابا عن سؤال الجميع عنها كان يردد فقط : ( لا أعرف ... لا أعرف ..) 

لم يكن يحادث أحدا أو يذكرها في أي كلام له .

مرت أيام وأعضاؤها مرمية في تلك الثلاجة الباردة جدا .

صرخت فيه كثيرا :  

ــ لا تفعل ... أيها الوغد .. لا تفعل .

ــ أخرجني من هنا ، أخرجني ... أرجوك 

ـ سأتجمد هنا في هذه الثلاجة ..في هذا الصقيع .

كان يرص أعضاءها تباعا ،

رأسها في الرف العلوي من الثلاجة .

ــ كيف ؟ كيف تنزع رأسي عن باقي جسدي أيها الوغد اللئيم ؟

لم يكن يبالي بصراخها .

أحست بالراحة لما استقر رأسها هناك ، رغم أن عينيها جحظتا خوفا وكادتا أن تخرجا من محاجرهما ، وقد فغرت فمها دهشة ورعبا مما يقوم به . 

ووضع رجليها ويديها في الرف الثالث .

صرخت فيه بغيظ وحنق وهو ينزع من أصبعها خاتم خطوبتهما :

ـــ لا تنزعه أيها اللعين ، لا تنزعه فهو يعجبني .

لم يعرها أي اهتمام وهو يضع باقي جثتها في الرف الثاني فقد كان أكبر رفوف الثلاجة .

لما كان يأخذ منها الخاتم تشنجت ، وتصلبت بقوة دفاعا عن نفسها ، لكنه لم يأبه لذلك أبدا بل أخذ فأسا وكسر رجليها من الركبتين ، ويديها من المرفقين ليتمكن من إدخالهما إلى صندوق الثلاجة البلاستيكي البارد جدا ، على الرف الثاني .

حاولت أن تبعده بيديها وأن تركله برجليها ، لكنه كان مسيطرا عليها وكأنها ميتة .

سخط وهو يقوم بذلك وغضب فازداد عنفا وقوة ..

في اليوم الموالي ، جاء يتفقد الثلاجة ، لم يكن هناك أي تعبير على وجهه ، كان وكأنه قد من حجر ، تمنت فقط لو ترى بعض الندم على ما فعله بها ، 

لكن لا ، لم يظهر على ملامحه الجامدة أي شيء من ذلك بل ألقى بنظره إلى الصناديق الثلاثة من البلاستيك الشفاف دون اهتمام ، وبلامبالاة أغلق باب الثلاجة عليها من جديد .

تمنت لو قال لها صباح الخير ، لو كلمها فقط ، لو ألقى عليها بعضا من سبابه وشتائمه ، أي شيء، فقد ضجرت هناك على تلك الرفوف وملت وحدتها القاتلة ، الباردة .

ابتسمت قليلا بينها وبين نفسها ، اطمأنت أنه تذكرها وجاء ليزورها .

حاولت أن تخلد إلى النوم وقد ارتاحت نفسها قليلا من الاضطراب والرعب الذي استولى عليها أثناء تقطيعه لأطرافها وإطاحته برأسها وحين اقتلع عينيها وسحب لسانها بعنف لا مثيل له ، من عمق حنجرتها وهي تتألم وتصرخ بقوة لم تعهدها في نفسها أبدا . 

تذكرت كل ما مرت به من عذاب وآلام شديدة ، لكنها الآن ، بعد أن هدأت قليلا ، فكرت أنها تحتاج إلى بعض الدفء فقط لكي تستطيع أن تنام وتريح نفسها من كل هذا التعب الذي تحسه .

لو كان لها ذراعان لحمت بهما جسمها الذي أصبح عبارة عن كرة من الثلج ( يا إلهي .. ما كل هذا البرد الصقيعي وكأنني قد لففت في الثلج لفا؟) .

أحست ببعض الخوف ، تساءلت كيف آل بها الحال إلى ما هي عليه ؟                        

انكمشت على نفسها ، أحست بقلبها جامدا ، باردا وكأنه لا حياة فيه ، 

فمتى تخرج من هذه الثلاجة وكأنها قبر بارد مظلم ؟

تذكرت أنها ميتة ، شر ميتة ... 

(ـ هل هذه نهايتي ؟ صرخت بكل قوتها : ( هل هذه النهاية ؟ ) أحست أن المكان الذي توجد به قد زلزل بالكامل من قوة وعلو صرخاتها وأن شظايا الثلج تتطاير حولها .

حاولت أن تستعيد أنفاسها وأن تتماسك ، فليس من صالحها أن تفقد سيطرتها على نفسها .

طافت بذهنها فكرة أنها إذا كانت تجد نفسها ضائعة وتعيسة لهذه الدرجة في وضعها الراهن ، فمن المحتمل جدا أن يكون ذلك الإحساس ناجما في بعضه على الأقل من أن الأمر خارج عن إرادتها .

وتعمقت في التفكير ،

لو أن رأسها موصول بجسدها لاستطاعت أن تجد حلا ، لكن هناك مشكلة ليست لديها القدرة على حلها ، مشكلة فرضت عليها فرضا من غير أن تختار منها ولو أبسط الأمور .

كل ما تتذكره وسط هذا الجو البارد المؤلم أنها فاشلة في كل شيء وعديمة الموهبة والمسؤولية .

كانت شخصا لا أمل يرجى منه ، فقد رسبت في دراستها ، حتى أن الجميع كان يسخر منها ، كان والدها غاضبا جدا منها غضبا حارقا أشعرها بكل خيباتها ومرارتها .

كل شيء كان يخونها لقد أخفقت في كل شيء رغم ما حظيت به من فرص أتاحها لها والدها وأسرتها .

عانت كثيرا بسبب ذلك ، وأصابها اكتئاب شديد وعميق لدرجة أنها كثيرا ما فكرت في وضع حد لحياتها البئيسة تلك .

أصابها ملل قاتل من كل ذلك ومن احتجاجات أهلها خاصة وأن جميع عائلتها عرفوا بنجاحهم في كل ما قاموا به من أعمال .

وفي لحظة إدراك بسيطة ، أحست فيها بالمسؤولية عن ذاتها وتأكدت أنها يجب أن تبحث عن طريقها لأنها مسؤولة عن حياتها .

حينئد قررت الاشتغال ، وهناك في ذلك الشغل في معمل النسيج ذاك التقت به وأحبته وخطبا ... 

وقهقهت ... 

ظنت أنها أخذت بالسير على طريقها الخاص بها .

( ــ لا ـ ربما أنا مسؤولة عن موتي .

لكن لماذا ما زلت أفكر رغم انفصال رأسي عن جسدي ...).

ما كانت متأكدة منه ، أننا في حالة اختيار دائم سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه .

إنها تدرك تماما أنه قتلها وأنها ميتة .. ميتة شنيعة .. قطعت أطرافها وكسرت وتم جز رأسها عن جسدها .. وهو بعيد عنها الآن .

ولكنها مع ذلك مازالت تحس أنها حية ، 

لن تفارقه ، ستلازمه ، ستكون معه في كل مكان وزمان ، ستدخل عقله وستوجهه كيفما تشاء . 

يجب أن تجهز نفسها لذلك منذ الآن ، وبمجرد أن يفتح باب الثلاجة مرة أخرى فإنها ستتسلل إلى عقله بسرعة وتستولي عليه .

(إذا لم تهتم بنفسها فلا أحد سيفعل ذلك ) .

أخذت تدندن بكلمات اخترعتها للتو : (إما أن الحب ليس لي ، أو أنني لم أوجد لأحب ... ها ها ها ... أم أم ممممم ). 

(كيف أخذ خاتم خطوبتي بكل ذلك العنف ، لن أسامحه على ذلك أبدا ..

كيف أمكنه أن يكسر قلبي إلى أجزاء في وقت وجيز ..

أعيش هنا بقلب منكسر واجف ، وخوف رهيب أنك ستتركني ..

المصيبة الأعظم أنني محتجزة في هذه الثلاجة اللعينة ولا أعرف هل نحن في النهار أو في الليل ...)

تساؤلات عديدة دارت بنفسها ، صديقها الوحيد في هذه المأساة التي تعيشها .

وعادت لتتفاءل : ( قولي يا نفسي أنك كنت لاشيء ، وأنك لم تلمعي وكنت تعيشين ميتة طوال حياتك ، لكنك الآن ستعيشين وأنت ميتة ..

كانت أفكاري سوداء كسواد الليل ، لكن الآن فقد انبثقت تلمع كالنجوم).