لم تكن تتغزل في الرجال..
كانت تنتبه للتفاصيل.. آفة شخصية ورثتها منذ الصغر نتاج التربية المتشددة والمحاسبة اليومية على كل صغيرة وكبيرة.. نشأت تنتبه لكل شيء خوفا من الحساب المجحف والعقاب الشديد.. كانت تخشى أن تفوتها تفصيلة فتخفق في الرد علي سؤال، فتُحرم من حلوى أو تُجبر على البقاء في أركان بعيدة وحجرات مظلمة.
لم تكن تتغزل في الرجال.. كانت تنظر إليهم جيدا، لعل في أحدهم شبها بمن آذاها فتبتعد، أو في آخر شبه بمن عرفت معه الطمأنينة ذات يوم فتقترب..
لم تكن تتغزل في الرجال.. كانت تتعمق في التفاصيل لتأخذ حذرها، فما عاد لها أن تلوم الأقدار على سوء الاختيار.. انتصف العمر ولم يعد هناك من تلقى في حجره حكاية عن تسرعها أو خطأ فهمها..
هي اليوم ملزمة بالفهم.. محاسبة على القرار.
محاسبة.. اليوم.. على القرار!
لعلها كانت دوما محاسبة.. على القرار الذي لم يعلِّمها أحد كيف تتخذه، ثم على نتائج القرارات الساذجة، ثم على ضعفها البشري بعد تقبل النتائج المهلكة.
لم تكن تتغزل بالرجال.. كانت تحاول تجنب دخول حرب جديدة.. تنتصر فيها أمام الجمهور وتنهزم أمام نفسها.. كانت تحاول تجنب آلام الرأس من كثرة سعيها لتفسير اختيارها.. كانت تحاول أن ترحم قلبها من رحلة بعيدة .. إذ ما عاد قلبها كُفئا للسفر.
كانت تحاول حماية أطرافها المتشققة بكثرة النظر في تفاصيل القفاز الجديد الذي ستحفظ دف يديها به.. والجورب الجديد الذي ستحمي فيه من البرد خطاها.
فيا هذا لا تغضب إن رأيتها تطيل التأمل.. هي لا تتغزل بالرجال.. هي تحاول كشف خداع الصور التي تتشبه بك لتخرج من بينها صورتك.. فتحفظك وإن غبت.. وتحميك وإن لم تدرك أن في نظرها لتفاصيلهم شوقا عظيما إليك.
#راقية_جلال_الدويك